بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٤٥ - توضيح مختار السيد الحكيم (قدس سره) وآخرين في تقديم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب الحج
بتقديم الحج على الإجارة يلزم لغوية أصل تشريع الحج لإمكان التهرب عنه لكل أحد بالإجارة كأن يطلب من صاحبه أن يستأجره مثلاً لصلاة ركعتين عن أبيه في مسجد المحلة في يوم عرفة.
ولكن تقدم عدم تمامية الوجه المذكور في مورد النذر، وهو لا يتم في مورد الإجارة أيضاً لعين ما مرَّ ولا حاجة إلى الإعادة.
وهكذا يتضح أن عمدة الوجه في البناء على بطلان الإجارة لزيارة الحسين ٧ في يوم عرفة مع حصول الاستطاعة للأجير لاحقاً لأداء حجة الإسلام في العام نفسه هو ما تقدم من النصوص الدالة على عدم صحة الصلح ونحوه إذا كان محللاً للحرام بناءً على دلالتها على أن كل التزام يفرضه المكلف على نفسه لا يكون نافذاً متى ما كان مصادماً لما هو محرم عليه شرعاً لولا ذلك الالتزام، فإن ترك الحج مع حصول الاستطاعة له لاحقاً محرّم لولا الإجارة، فلا يحكم بصحة الإجارة من هذه الجهة، فليتدبر.
هذا تمام الكلام في حكم التزاحم بين وجوب أداء الحج ووجوب الوفاء بالإجارة الذي كان من المناسب التعرض له عقيب البحث عن الوجه الأول من وجهي المسألة في مورد تزاحم وجوب أداء الحج مع وجوب الوفاء بالنذر بناءً على كونهما مشروطين بالقدرة الشرعية وهو تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر كما هو مختار المحقق النائيني (قدس سره) .
(الوجه الثاني): ما اختاره السيد الحكيم (قدس سره) وآخرون من تقديم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب أداء الحج. ومبناه [١] أن القدرة الشرعية التي تكون
[١] تجدر الإشارة إلى أنه قد ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله ٧ أنه قال: ((إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره الله فيه فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام)) (تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٤٠٣)، وبنى السيد الحكيم (قدس سره) على أنها تدل على أن كل عذر ينافي الاستطاعة رافع لوجوب الحج. ومقتضى إطلاقه الشمول لكل واجب وإن لم يكن أهم من الحج. وعلى هذا الأساس استدل (قدس سره) بهذه الصحيحة على سقوط وجوب الحج عند التزاحم بينه وبين وجوب الوفاء بالنذر بدعوى أن الوفاء بالنذر عذر فيكون رافعاً لوجوب الحج وإن كان دونه في الأهمية بلا إشكال (مستمسك العروة الوثقى ج:١٠ ص:١٢١، ١٧٢، ١٩٠). ولكنه ذكر في موضع آخر أنه لا عموم في الصحيحة المذكورة لكل واجب بل يختص بالواجب الذي له نوع من الأهمية بحيث يصلح أن يعتذر به في ترك الحج، فإذا علم المكلف أنه إذا حجَّ يفوته ردّ السلام على من سلَّم عليه أو الإنفاق يوماً على من تجب نفقته عليه أو نحو ذلك من الواجبات التي ليس لها تلك الأهمية لا يجوز له ترك الحج فراراً من تركها، فإنه لا يصح له الاعتذار بذلك، لا أقل من الشك الموجب للرجوع إلى عموم الوجوب على من استطاع، فإذا كان لزوم ترك الواجب أو الوقوع في الحرام عذراً في نظر المتشرعة ويصح الاعتذار به عندهم كان مانعاً من الاستطاعة وإلا فلا، وكذا لو شك في صحة الاعتذار لأن عموم الوجوب هو المرجع مع الشك في صدق عنوان المخصص) (مستمسك العروة الوثقى ج:١٠ ص:١٩٠ــ١٩١ (بتصرف يسير)).
أقول: إن دلت صحيحة الحلبي على مانعية العذر عن الاستطاعة فإنما تدل عليها في خصوص ما يكون عذراً مقبولاً لدى الله سبحانه وتعالى، ولم يثبت أن اشتغال الذمة بتكليف إلزامي مزاحم للحج يكون من هذا القبيل، فإنه أول الكلام ويحتاج إلى الإثبات. ولذلك قال السيد الأستاذ (قدس سره) : (إن الرواية لم تبين الصغرى وإنما تعرضت لترك الحج بلا عذر، وأما كون الشيء الخاص عذراً فلا بد من إثباته من الخارج، كما ثبت العذر في موارد الحرج والضرر الزائدين على ما يقتضيه الحج) (معتمد العروة الوثقى ج:١ ص:١٥١).
لا يقال: إن الطريق إلى إحراز كون أمرٍ ما عذراً شرعياً إما هو التنصيص عليه في رواية معتبرة أو ثبوت بناء المتشرعة عليه فإن بنائهم كاشف عن نظر الشارع المقدس، ولذا قال السيد الحكيم (قدس سره) : إن التكليف الإلزامي المزاحم للحج لا بد أن يكون بدرجة من الأهمية يصح الاعتذار به عند المتشرعة، فهو لم يغفل عن أن الصحيحة لم تتعرض لمصداق العذر الشرعي، ولكنه أرجع إلى نظر المتشرعة ــ الذي هو كاشف عن نظر الشارع المقدس ــ في تشخيص ما يعدُّ عذراً شرعياً.
فإنه يقال ..
أولاً: إنه لم يثبت أن مطلق التكليف الإلزامي المزاحم للحج إذا كان يحظى بدرجة من الأهمية يعدُّ عند المتشرعة عذراً في ترك أداء الحج وإن كان الحج أهم منه، بل هذا ممنوع جداً. مع أنه لو سُلِّم فإنما يسلّم في بعض موارد النذر كنذر زيارة الحسين ٧ في يوم عرفة وأما في مثل نذر الجلوس ساعة في مسجد المحلة في يوم عرفة فغير مسلم.
وثانياً: إنه لو ثبت بناء المتشرعة في هذه الأزمنة على صحة الاعتذار عن ترك الحج باشتغال الذمة بمثل ما ذكر من التكليف الإلزامي إلا أنه لا سبيل إلى إحراز كون هذا البناء المتشرعي مستنداً إلى الشارع المقدس، فإن إحرازه يتوقف على ثبوت البناء المذكور لدى الأجيال السابقة وصولاً إلى عصر المعصومين : وأنّى لنا بالتأكد من ذلك، فإنه يحتمل كونه أمراً مستحدثاً ناشئاً من الأنس بفتاوى الفقهاء في الأعصار الأخيرة حيث اشتهر بينهم أن أي واجب مزاحم للحج حتى مثل الوفاء بالنذر يمنع من الاستطاعة.