بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٠٧ - المناقشة في ما قيل من أنه لو كان النذر مانعاً عن الاستطاعة للحج يلزم لغوية تشريع وجوبه
مكلف يستطيع أن ينذر أن يصلي ركعتين في مسجد بلده يوم عرفة من كل سنة، فيرتفع وجوب الحج عنه مطلقاً. وهذا المعنى لا يتلاءم مع أهمية الحج والتأكيد الكبير على الإتيان به حتى بنحو الاستحباب. بل يكون جعل وجوب الحج لغواً لتمكن كل مكلف من التخلص من تعلقه به بواسطة النذر. لأجل ذلك لا محيص عن القول بعدم مشروعية النذر وعدم وجوب الوفاء به.
فما نحن فيه نظير تصحيح المعاملات الربوية ببعض المصححات كالضميمة ونحوها، مما يخرجها عن الربا المنصوص على تحريمه، فإن الالتزام بصحة ذلك يستلزم لغوية تحريم الربا، لعدم الإقدام عليه من عاقل حينئذٍ. وهو ينافي شدة التأكيد على حرمة الربا، فتدبر).
أقول: يمكن تنظير المقام بما إذا ألزمت الحكومة موظفيها بالحضور في دوائرهم في يوم السبت لأداء أعمالهم الوظيفية، ثم استثنت كل من يقدم طلباً تحريرياً إلى مديره بإعفائه من ذلك. فإن من المعلوم أن معظم الموظفين ــ إن لم يكن كلهم ــ سيقوم بتقديم مثل هذا الطلب، ليحصل على عطلة يوم إضافي طوال السنة، لأن تقديم الطلب عمل يسير جداً بالقياس إلى عشرات الأيام التي يجب أن يعمل فيها إن لم يقدم الطلب المذكور. ولا ريب أن العقلاء يعدّون في مثل ذلك تشريع كون يوم السبت يوم عمل لا يوم عطلة لغواً محضاً.
وهكذا الحال في الحج، فإن أداءه يتطلب جهداً بدنياً ومالياً غير قليلين ــ ولا سيما في الأزمنة السابقة ــ فلو جعل وجوبه مقيداً بعدم مزاحمته للوفاء بالنذر ولو نذر ركعتين من الصلاة في يوم عرفة في مسجد المحلة لما كان تشريع وجوبه مستساغاً عند العقلاء بل يعدّ شبه لغو.
ولا يخفى أن هذا البيان ــ لو تم ــ فإنه يقتضي تقديم الحج على النذر وإن بني على أن مقتضى القاعدة هو التخيير بينهما ــ لعدم ثبوت الترجيح لأحدهما على الآخر ــ بل ولو بني على أن مقتضى القاعدة هو تقديم النذر على الحج، فإنه يعدّ بمثابة الدليل الخاص الذي لا بد من الخروج به عن مقتضى القاعدة.
هذا ولكن يمكن الخدش في ما ذكر من وجهين ..