بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٩٩ - جواز رجوع المبذول له إلى الباذل بعوض ما يدفعه للمالك إذا كان جاهلاً بالغصبية
ذكر الفقهاء (قدَّس الله أسرارهم) في ذلك تفصيلاً، وهو أنه إذا كان الدافع للبدل هو الأخير الذي تلفت العين في يده فلا يحق له الرجوع إلى من قبله، وإن كان غيره ــ كالثالث ــ فلا يحق له الرجوع إلى من قبله أيضاً ولكن يحق له الرجوع إلى من بعده، ففي المثال يحق للثالث الرجوع إلى الرابع والخامس دون الأول والثاني.
هذا ما بنى عليه الفقهاء (رضوان الله عليهم) في كتاب المكاسب، ودليلهم عليه هو السيرة العقلائية. ولكن تصدى بعضهم لبيان الوجه الذي ترتكز عليه السيرة المذكورة أي في رجوع السابق إلى اللاحق دون العكس، وقد اختلفوا فيه على مسالك.
والذي اختاره جمع ــ منهم السيد الأستاذ (قدس سره) [١] ــ هو أن البناء العقلائي المذكور يقوم على أساس بناء عقلائي آخر، وهو أنه كلما ضمن شخص مال آخر ــ أي اشتغلت ذمته له ببدله ــ فإن قام بدفع البدل إليه وفُرض ترتب أثر على الحكم بدخول التالف في ملكه حكم له بذلك على سبيل الكشف الحكمي، وهذا ما يسمى بالمعاوضة القهرية العقلائية.
أي أنها معاوضة مفروضة على مالك العين التالفة ولا تكون تابعة لقصده، بمعنى أن العقلاء يحكمون عليه فيما إذا تسلّم بدل ماله التالف بصيرورة المتلف ملكاً لدافع البدل فليس له حق فيه بعد تسلّم البدل أصلاً.
ويشهد لهذه المعاوضة العقلائية القهرية أنه إذا كان للتالف بقايا لا قيمة لها أو أن لها قيمة قليلة جداً لا يحكم العقلاء بلزوم تسليمها إلى المالك لو طالب بها بعد تسلمه لبدل ماله بل يحكمون بأن دافع البدل أحق بها منه.
كما إذا كسر كوز الغير فضمن بدله من المثل أو القيمة، فإنه ما لم يدفع البدل تكون بقايا الكوز للمالك، إذ ليس هناك ما يقتضي خروجها من ملكه، أي إنه وإن صار مالكاً لبدل ماله في ذمة المتلف ولكن هذا مملوك ذمي، ولا ضير في الجمع بينه وبين بقايا الكوز ــ التي هي المملوك الخارجي ــ وفق نظر العقلاء.
[١] محاضرات في الفقه الجعفري ج:٢ ص:٤٦٨.