بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٠٢ - لا مانع ثبوتاً من أن يكون المبذول له هو الجامع الانتزاعي بين نفرين فما زاد
ثبوتاً، ولكن لا يعدّ بذلاً لأيِّ واحد منهم إلا مع متمم جعل يحدده الباذل، وأما من دونه فلا أثر للبذل المذكور، ويعدّ لغواً بالنظر إلى الجهة المبحوث عنها.
هذا ولكن ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) أن البذل للجامع مما لا نعقل له معنى، وقد حكي عنه في وجهه ما لا يخلو عن بعض التشويش [١] ، ولا يبعد أن يكون مقصوده (قدس سره) هو أن البذل إنما هو بمعنى إباحة صرف المال أو استخدامه في أداء الحج، وهذا لا يمكن تعلقه إلا بالأشخاص أنفسهم دون الجامع الكلي ولو في ضمن جماعة معينين. وذلك لأن صرف المال واستخدامه إنما هو من قبيل الأمور الخارجية التي لا تقع من غير الأشخاص، ولا يعقل صدورها من الجامع الكلي ونحوه. وليس حالها حال الملكية ونحوها من الأمور الاعتبارية التي هي خفيفة المؤونة ويمكن تعلقها بالكلي بل وحتى بالجماد، حيث يصح تمليك المال للمسجد فيصبح مالكاً له بقبول وليه، وكذا الحال في كلي الفقير فإنه يصح تمليكه ويصبح مالكاً بقبول ولي الفقراء، وأما إباحة صرف المال لأحد اثنين فلا معنى لها، لأن الأحد الكلي لا يمكن أن يصرف المال وإنما الذي يمكن أن يصرفه هو الشخص، فلا معنى لتعلق الإباحة بما لا يمكن وقوعه في الخارج.
وعلى ذلك فإن مرجع البذل لأحد شخصين ــ مثلاً ــ إلى البذل لكل واحد منهما، أي إباحة التصرف في المال بغرض أداء الحج بالنسبة إلى كل منهما، غاية الأمر أن يكون ذلك مشروطاً بعدم تصدي الآخر لأخذ المال وصرفه في هذا السبيل.
ففي الحقيقة هنا إباحتان: إباحة لزيد وإباحة لعمرو، غاية الأمر أن إباحة
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٨٥، ولفظه: (إن الأمور الاعتبارية كالملكية وإن أمكن تعلقها بالجامع فيكون المتعلق كلياً كالصاع من الصبرة .. وأما الأمر التكويني فلا يمكن تعلقه بالكلي .. فإنا لا نعقل معنى للبذل إلى الجامع، ضرورة أنه بما هو لا يتعلق به البذل، كما لا يتوقع منه الصرف وإنما الذي يصرف ما بذل له هو الشخص فقط، فلا جرم كان هو الذي يبذل إليه ليس إلا، غايته أن خصوصية المبذول إليه قد تكون ملحوظة في مقام البذل، وأخرى تكون ملغاة فلا نظر إلى الأشخاص بالذات بل غرضه معطوف نحو الجامع الانتزاعي أعني عنوان أحدهما ..).