بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٥ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
سلكنا مسلكا آخر، و حينئذ، البرهان الأول تكفّل بإبطال أحد شكلي هذه المانعيّة، لأنّ إبطال مانعيّة الضد كان بنكتة أنه في طول مانعيّة مقتضيه، و عليه لا يمكن مساهمته في المانعيّة.
و هنا لا بدّ من الانتقال إلى مانعيّة المقتضي، لنرى أيّ مانعيّة هي، بحيث يكون الضد الواقع في طولها، عاجز عن المساهمة في التأثير، و أنه هل هي المانعيّة بالشكل الأول، أو المانعيّة بالشكل الثاني.
فمثلا مقتضي السواد: هل يمنع عن وجود البياض في ظرف وجود السواد؟ أو أنه يمنع عن وجود البياض الذي ليس معه سواد؟.
و من الواضح، أنّ مقتضي السواد لا يمنع عن البياض الذي معه سواد، لأنّ مقتضي السواد لا يهمّه إلّا وجود السواد، و أن لا يستبدل السواد بالبياض، و حينئذ فلو فرض في الخارج، إمكان اجتماع الضدين، إذن لما كان اقتضاء في مقتضي السواد يقتضي عدم وجود البياض، و إنّما كان اقتضاء السواد يمنع عن استبدال السواد بالبياض، إذن فمقتضى السواد مانعيّته مانعيّة عن وجود السواد مقيّدا بعدم البياض، لا عن وجود السواد مقيدا بالبياض.
و حينئذ إذا أتينا إلى الضد الذي هو في طول هذه المانعيّة، فتارة نريد أن ننسب له نفس تلك المانعيّة و نقول: بأنّ الضد، و هو السواد، يمنع عن وجود البياض في ظرف عدم السواد، و تارة أخرى ننسب إليه المانعية عن الوجود الانضمامي لا الانفرادي، فنقول: إنّ السواد يمنع عن انضمام البياض إليه، إذا ادّعي بأنّ السواد مانعيّته مانعيّة عن الوجود الانضمامي للبياض، فمثل هذه المانعيّة لا يمكن إبطالها بالبرهان الأول، لأنّ وجود الضد ليس في طول مانعيّة المقتضي عن الوجود الانضمامي للبياض، لما قلناه، من أنّ مقتضي السواد ليس له أصلا، مانعيّة عن الوجود الانضمامي.
إذن فالبرهان على عدم ثبوت المانعيّة هو برهان آخر.
و البرهان على طوليتها، يكون إمّا «الدور» و إمّا «الاستحالة»، فإذا ثبت