بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١١٧ - ١- التنبيه الأول
لإناطة الأصل، منوطا بافتراض الشرط و تقديره، لأن الوجوب الغيري تابع في وجوده للوجوب النفسي، لكن على نحو إناطة الوجوب النفسي، أي منوط بتقديره و افتراضه، و حيث أن هذه الإناطة تستتبع إناطة فاعلية الوجوب بتحقق الشرط خارجا، و هو «الطلوع»، إذ قبل الطلوع لا فاعلية لهذا الوجوب الغيري، إذن فنقع في الإشكال من جديد، و هو أنه كيف يتسجّل وجوب الإتيان بالمقدمات المفوتة بحيث يؤاخذ من لا يأتي بها، مع أنه لا فاعليّة لهذا الوجوب قبل الطلوع.
و بعبارة أخرى، هو: إننا إذا سلّمنا بأن الوجوب المشروط فعليّ قبل وجود الشرط، و سلّمنا بأن هذا الوجوب الفعلي يترشّح منه وجوب غيري باعتبار فعليته، إلّا أن هذا الوجوب الغيري المترشح، تابع للوجوب النفسي وجودا و جعلا، فيكون مربوطا بما يكون الأصل مربوطا به، فكما أن الوجوب النفسي مربوط بتقدير «طلوع الفجر»، فأيضا يكون الوجوب الغيري المترشح منه، متقيدا بوجود هذا القيد، و هو «الطلوع»، و هذه الإناطة كما تؤثر في الوجوب النفسي، في عدم فاعليته إلّا بعد تحقق الشرط خارجا، فهي كذلك تؤثر في عدم فاعلية الوجوب الغيري إلّا بعد تحقق الشرط خارجا.
و الحقيقة أنّ تابعية فاعلية الوجوب المشروط لوجود الشرط خارجا هذا ليس أمرا جزافا تحقّق بالصدفة، و إنما هو من باب أن الوجوب المشروط ليس وجوبا فعليا، بل هو وجوب تقديري، نعم الوجوب التقديري موجود بالوجود الفعلي كما تقدم أنه في باب الاعتباريات يعقل أن يكون الأمر التقديري موجودا بوجود فعلي، بخلاف باب التكوينيّات، فإنه فيها لا يعقل أن يكون الأمر التقديري موجود بوجود فعلي.
فإن أردتم أنّ الوجوب المشروط فعلي، لكي يترتب عليه أنّ الوجود فعلي، فإننا نسلّم بذلك، لكن الموجود بهذا الوجود الفعلي ليس فعليا، بل هو تقديري أي: إنّ الوجود التقديري موجود فعلا، و حيث أنه تقديريّ، لم يكن له فاعلية إلّا حين صيرورته فعليا.