بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٠ - ٣- النظرية الثالثة
يكون وجودا مسامحيا و بالعناية، من قبيل وجود المطر في الذهن، و يمكن أن يكون وجود واحد حقيقيا لشيء، و مسامحيا لشيء آخر، كتصورنا للمطر، فإنه وجود حقيقي للمتصوّر الذهني، و لكنه وجود مسامحي بالنسبة للأمر الخارجي، و كل وجود بالنسبة إلى ما هو موجود به بالحقيقة، يستحيل أن يكون بينهما فرق، لأن وجود كل شيء هو عين ذلك الشيء، و عليه فيستحيل أن يكون الوجود فعليا لكن الموجود تعليقي، و لكن هذا يمكن تعقّله في الوجود النفساني للشيء من قبيل أن نتصور في الذهن مطر الشتاء الآتي، فهنا الوجود للمتصوّر فعلي، و لكن الموجود تعليقي، إذ لو لم يكن الموجود تعليقيا، بل كان هو عين وجوده في الذهن، إذن فمعنى هذا أن المطر يهطل في ذهننا عند تصوره للمطر. و على هذا الأساس نقول: إن الإرادة حيث أنها من الموجودات الحقيقية- لأننا نتكلم عن واقع انقداح الشوق في النفس- فيستحيل إذن أن يكون وجود الإرادة فعليا و الموجود معلّقا.
و لا يقاس هذا على الوجودات الاعتبارية، إذ يمكن فيها تصور وجود المطر القادم في الذهن، لأنه وجود اعتباري مسامحي و هو غير الموجود، و لكن هنا في الموجودات الحقيقية، الوجود الحقيقي هو عين الموجود، و الصحيح في تفسير حقيقة الإرادة المشروطة هو أن يقال: إنّه في جميع موارد الإرادة يوجد إرادتان:
١- الإرادة الأولى: هي إرادة الفعل- شرب الماء- و هي ليست موجودة بوجود فعلي- و إنما وجودها الفعلي يكون بعد وجود شرطها، أو التصديق بوجوده خارجا، كما لو تحقق وجود العطش، أو التصديق بوجوده خارجا، فإن كان الشرط عطشه هو نفسه، إذن فهو يحسّه و يشعر به، و إن كان الشرط عطش ابنه، فهو فرع إحساسه بعطش ابنه و إحرازه و اعتقاده، و إلّا فقبل اعتقاده و إحرازه لعطش ابنه، ليس في نفسه شوق إلى تحصيل الماء. إذن فلا وجود فعلي للإرادة قبل تحقق الشرط بنحو من الأنحاء المذكورة في النظريات الثلاثة، و ذلك لما ذكرنا من أن الشوق الحقيقي إلى شيء هو فرع ملاءمة قوى