بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٥ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
خامسا: يقال إنّ هذا الإشكال خلاف المدّعى المعترف به لدى القائلين بتوقف الضد على عدم الضد الآخر، إذ إنّ القائلين بذلك إنّما يدّعونه من باب التمانع و التنافي بين نفس الضدين، و إنّ توقف أحدهما على عدم الآخر، إنّما هو من باب المانعيّة التي تعني أنّ وجود الضد الموجود هو العلة في عدم الضد المعدوم، فإنّ التنافي و التضاد بين الوجودين، لا بين وجود أحدهما، و عدم عدم الآخر.
٨- البرهان الثامن: على إبطال عدم مقدميّة أحد الضدين لوجود الآخر.
و هذا البرهان مستفاد من الجواب الثالث في مناقشة المحقق الأصفهاني لإشكال الدور، حيث نقول:
إنّ توقف أحد الضدين على عدم الآخر مستحيل في الضدين اللذين لا ثالث لهما، و الذي يستحيل ارتفاعهما، كما في مثل الحركة و السكون، فإنّ حالهما حال النقيضين يستحيل ارتفاعهما، و حينئذ نسأل: إنّ عدم أحد الضدين إذا كان علة لثبوت ضده، فهو على وزان عدم السواد الذي هو علة للسواد، إذ عليّة عدم الحركة للسكون مقيدة بعدم الحركة، و المقيّد بانتفاء أحد الضدين، لا يتحمل إمكان اللّاسكون، بل يكون السكون ضروريا، لأنّه في هذه المرتبة لا يبقى إمكان للوجود و اللّاوجود للضد الآخر، و إنّما يتحقق مجال للوجود إذا كان الإمكان مقيّدا بالوجوب، و هذا برهان مستقل على إبطال المدّعى، غايته أنّه يختص بالضدين اللّذين لا ثالث لهما.
و حينئذ يمكن تعميمه إلى بقية فروض الأضداد في المسألة، إمّا بدعوى عدم الفرق بين السكون و الحركة، و إمّا بدعوى أنّه لو كان لهما ثالث، ننقل الكلام إلى مجموع الضدين بلحاظ الثالث، كما في الأزرق و الأحمر و الأبيض، فإنّ مجموع العدمين للأزرق و الأحمر بلحاظ الأبيض، يكون حكمهما حكم الضدين اللذين ليس لهما ثالث، حينئذ، في مثل ذلك، لا يأتي هذا البرهان، و إنّما يكون التعميم بضم وجدانية عدم الفرق.