بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٢ - المسلك الثاني مسلك المقدميّة
استحالة اجتماع الضدين ليست مستنبطة من استحالة وجود المعلول بلا علة، فإنه حتى من يتشكك معنا في إمكان وجود الحرارة بلا منشأ، مع هذا فإنه لا يتقبّل فكرة اجتماع الحرارة و البرودة في موضوع واحد، إذ إنّ استحالة اجتماعهما أشدّ وضوحا من استحالة وجود الحادث بلا سبب، و لذا وجد في الناس من ينكر ضرورة العلّة، بينما لم يوجد من يقول باجتماع الضدين، إذ إنّ امتناع اجتماعهما ذاتي لا بالغير، فإن ماهيّة السواد، تأبى عن وجودها الجمعي مع هذه الحصة الأخرى من الوجود، و هي البياض، فهذا الإباء عن الوجود الجمعي، إنّما هو لإباء ذاتي بالماهية، لا لأجل امتناع بالغير بسبب عدم وجود العلة، و هذا هو معنى كون استحالة اجتماع الضدين ذاتية عند كل الناس.
و بعد تقرير هذا الأصل الموضوعي يقال: إذا فرض أنّ السواد مانع عن البياض، فلا بدّ أن يفرغ عن وجود السواد أولا، لأنّ المانعية هذه، فرع وجود المانع، إذ لا يعقل مانعيّة شيء معدوم.
و حينئذ يسأل: بأنّ هذه المانعيّة للسواد عن البياض، هل تكون في نفس ظرف وجود السواد، أو إنها تمنع في ظرف عدم السواد؟
فإن فرض مانعيّة السواد للبياض في فرض وجود السواد، فهو خلف كون البياض ممتنعا بالذات، كما تقرّر في الأصل الموضوعي، فإنّ الممتنع بالذات لا معنى أن يستند عدمه إلى مانع من الخارج، و إنّما عدمه مقتضى ذاته، فعدمه من ذاتيات ماهيته، كما هو معنى الامتناع الذاتي.
و من الواضح أن العلة بأجزائها، إنّما تعقّل في الممكن لا في الممتنع ذاتا و من هنا قيل: بأنّ مقتضي المحال ذاتا، محال.
و إن فرض أن السواد يمنع عن وجود البياض في ظرف عدم السواد، فإنّ هذا محال أيضا، لأنّ الشيء لا يمنع شيئا آخر حالة كون نفسه معدوما، إذ مانعيّة المانع إنّما تعقل في فرض وجوده، لا في فرض عدمه، إذن فمانعيّة السواد عن البياض محال على كل حال.