بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٨ - الجهة الثالثة من الواجب النفسي و الغيري، هي في استحقاق العقاب و الثواب على الأوامر الغيرية،
سدّ تمام أبواب العدم، التي منها عدم الصلاة، لعدم الوضوء، إذن فكلاهما يحرّك نحو الوضوء، و مئونتهما نحو الامتثال متساوية، و لا يوجد مزية مرغّبة في العدول من النفسي إلى الغيري، إذن فلا يعقل أن ينقدح في نفس المكلّف التحرك عن الأمر الغيري، و لا ينقدح في نفسه التحرك عن الأمر النفسي، و هو معنى التلازم.
و الخلاصة، هي: إنّه لا يوجد- بناء على تعلّق الأمر الغيري بالمقدمة الموصلة- لا يوجد أيّة مزيّة في الآثار و المئونة بين الأمر الغيري و النفسي، ليعدل عن التحرك من الأمر النفسي إلى التحرك من الأمر الغيري، إذ إنّ كليهما يحرّك نحو الوضوء الموصل إلى الصلاة، أمّا الغيري فلأنه متعلقه، و أمّا النفسي فلأنه يقتضي سدّ تمام أبواب عدم تحقّق ذي المقدمة من ناحية مقدماته، إذن فلا يعقل اختصاص التحريك و الانبعاث نحو فعل المقدمة بالأمر الغيري، بناء على القول بالمقدمة الموصلة. و هذا التقريب صحيح بناء على وجوب المقدمة الموصلة.
الوجه الثالث: لبيان نكتة «التلازم» بين الانبعاث عن الأمر الغيري، و الانبعاث عن الأمر النفسي، هو ما ذهب إليه جملة من المحققين، و منهم المحقق الأصفهاني، [١] و حاصله:
هو أن الأمر الغيري غير مستقل في الوجود باعتبار أنه تابع في وجوده للأمر النفسي، و عليه فلا يكون مستقلا في المحركيّة أيضا، إذ محركيّته أيضا تكون تابعة لمحركيّة الأمر النفسي، كما لم يكن مستقلا في الوجود.
و كأنّ ترتيب الاستدلال بهذه الاصطلاحات، مأخوذ من كلام الحكماء القائلين: بأن كل ممكن غير مستقل في الوجود، إذن فلا يكون مستقلا في الإيجاد و الفاعليّة، لأن ما لا يستقل في وجوده، لا يكون مستقلا في فاعليته و إيجاده، و من هنا يصح القول بإنه: لا فاعل حقيقة إلّا اللّه تعالى.
[١] نهاية الدراية: الأصفهاني ج ١ هامش ٣٣٣ ص ٣٣٤- ٣٣٥.