بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٥١ - ٣- التنبيه الثالث
بالقيام على الإطلاق، و لا بأس بذلك. و أمّا إذا قيّدنا إطلاق الهيئة فسوف يبطل بذلك إطلاق المادة، إذ يستحيل أن يكون الوجوب متفرعا على القيام، و هو معنى تقييد الهيئة، و يكون متعلقه و هو «الصدقة» و لو قبل القيام، إذن فتقييد إطلاق الهيئة، يوجب إسقاط إطلاق المادة أيضا، فيكون بهذا مشتملا على محذورين: محذور تقييد الهيئة، و محذور إسقاط إطلاق المادة، بينما تقييد إطلاق المادة لا يلزم منه إلّا محذور واحد، و هو تقييد نفسها مع التحفظ على إطلاق الهيئة، و كلّما دار الأمر بين محذور أو محذورين، كان مقتضى الجمع العرفي هو رفع اليد عن المحذورين، و الالتزام بالمحذور الواحد، لأنه أخفّ مئونة.
و بعبارة أخرى: إن الأمر يدور بين مخالفتين، أو مخالفة واحدة، لأن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة، و إلّا فمع بقاء الإطلاق للمادة، يصدق الواجب- «الصدقة» مطلقا، من دون الوجوب، بينما لا يترتب هذا لو قيّدنا المادة و أطلقنا الهيئة، و بما أن هذا التقييد يلزم منه مخالفة واحدة، فالعرف يرجّح اختيار مخالفة واحدة دون المخالفتين.
و هذا الكلام غير صحيح، و ذلك لأنّ تقييد إطلاق الهيئة، و إن كان يوجب سقوط إطلاق المادة، و لكنه يوجب سقوط إطلاقها تخصّصا لا تخصيصا، و المحذور إنما هو في التخصيص لا التخصّص.
و توضيحه، هو أن إطلاق المادة يقيّد بمقيّد لبّي عقلي دائما، فهو مقيّد بثبوت مدلول الهيئة و هو الوجوب، فإن العقل يحكم باستحالة إطلاق الواجب في حالة فقد قيود الوجوب، و هذه الاستحالة مقيّد لبي عقلي متصل بخطاب تصدّق، فالمقيّد العقلي اللبي يقول بأن «الصدقة» مقيّدة بكل قيد كان الوجوب مقيدا به، و هذا التقييد الإجمالي ثبت ببرهان عقلي كالمتصل بالنسبة إلى الخطاب، و حينئذ إذا قيّدنا إطلاق الهيئة بالقيام، حينئذ، بهذا نكون قد حقّقنا صغرى للقيد المأخوذ في المادة، لأن المادة هي مقيّدة إجمالا بكل قيد يؤخذ في الهيئة، فإذا ثبت أن القيام مأخوذ في الهيئة يثبت كونه مصداقا للقيد العقلي