بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٣ - ١- التنبيه الأول
المستترة متعلقة بالجامع، و هو أن لا يعطش عطشا لا ماء معه، و هذه الإرادة موجودة من أول الأمر. إذن فهذه الحصة الخاصة من العطش يريد عدمها و يمكن أن نعبّر عن هذه الإرادة بإرادة الجامع بين أن لا يعطش، أو أن يعطش و معه ماء يشربه، و هذا الجامع مطلوب له من أول الأمر، لأن مزاج الإنسان، أيّ إنسان، سواء أ كان مرتويا، أو لم يكن مرتويا، يتناسب مع هذا الجامع، و هو جامع أن لا يعطش، أو يعطش و لكن عطشا يكون معه ماء يشربه، و تناسب مزاجه مع هذا الجامع فعليّ من أول الأمر، إذن فإرادة الجامع فعليّة من أول الأمر.
نعم تناسب مزاجه مع شرب الماء بالخصوص، هو فرع العطش، إذ قبل العطش قد لا يكون مزاجه يتحمّل شرب الماء، بل قد يكرهه بالفعل لشدة ارتوائه. فالتناسب بين مزاجه و بين الجامع فعلي من أول الأمر، فتكون إرادته للجامع فعليّة من أول الأمر، و إذا كانت إرادته للجامع فعليّة من أول الأمر، إذن فهذا المكلّف من أول الأمر يريد أحد الأمرين: إمّا الجامع بين أن لا يعطش، أو أن يعطش و يشرب الماء، و هذا المكلّف يعلم أنه إذا لم يدّخر الماء من الآن سوف يفقد هذا الجامع بكلا فرديه، لأنه سوف يوجد حرّ يعطّشه، و سوف لن يكون عنده ماء، إذن فمن الطبيعي أن تكون إرادته الفعلية المطلقة المتعلقة بالجامع بين الأمرين، محركا له لأن يدّخر الماء لئلّا يفقد الجامع.
و بهذه الإرادة الفعليّة المطلقة المتعلقة بالجامع، يتحرك المولى تكوينا نحو حفظ المقدمات المفوتة لشرب الماء قبل تحقق العطش- شرط الاتصاف- لأن عدم تحركه هذا، سوف يوقعه بما ينافر ذاته و يجتنبه دائما، إذ إنّه بحكم الفطرة هو يحب ذاته، و ينطلق منها.
و إذا اتضح الحال في الإرادة التكوينية، يتضح الحال أيضا في الإرادة التشريعيّة، فإن المكلّف في الإرادة التشريعيّة، يصبح كأنه نفس المولى في الإرادة التكوينيّة، فيتحرك نحو المقدمات المفوّتة، فإننا لو حرّرنا هذا الإنسان، و صيّرناه مولى من شأنه أن يأمر و يطاع، و قد صار مطلوبه التكويني