بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٠ - الاعتراض الثاني
ذلك أصبح تحت سلطنة المكلّف، فلا يكون تكليفه بالمشي تكليفا تعجيزيا، أو قبيحا، مع أن متعلّق التكليف و هو المشي، لا يوجد إمكان استعدادي له في القوة العضلية، و إنما يكتسب هذا الإمكان الاستعدادي ببركة مقدمة، هي وصل السلك برجله، و حينئذ يوجد الإمكان الاستعدادي. فلو قلنا: إنّ الإمكان الاستعدادي دخيل في أصل التكليف، و في أصل تعقّله، للزم أن يكون التكليف بالمشي مشروطا بالإمكان الاستعدادي، أي: بإيصال السّلك، فيقول المولى حينئذ: «إذا أوصلت السلك امش» فيكون إيصال السلك مقدمة وجوبية لا وجودية، مع أننا نرى بالوجدان أنه بالإمكان جعلها مقدمة وجودية، و ذلك بأن يقول المولى للعبد: «أمش» بنحو يكون المكلّف مسئولا عن إيجاد هذه المقدمة، و هي إيصال السلك، و لا يكون حينئذ هذا الخطاب غير معقول من قبل المولى، لأن هذا ليس حكما، لأن الإمكان الاستعدادي غير موجود في قوى المكلّف العضلية.
و بعبارة أخرى: إن الواجب المقيّد بقيد زماني، و إن كان ممكنا في عمود الزمان وقوعا، و لكن وقوعه الآن دفعة واحدة لكونه تدريجيا، مستحيل استحالة وقوعية، إذ يوجب الخلف أو التناقض، إذ لا يعقل وجود التدريجي دفعة واحدة كاستحالة وقوع «الفجر» منتصف الليل. و أمّا الإمكان الاستعدادي فإن أراد به اشتراط استعداد و قابلية الفاعل، أي: كون عضلاته غير مشلولة، فمن الواضح أن هذا ليس شرطا في فعلّية الوجوب، و لهذا يصح تكليف المشلول الذي يمكنه علاج نفسه، دون أن يصبح علاج نفسه مقدمة وجوبية، و لو فرض شرطيته فهو محفوظ في الواجب المعلّق أيضا، إذ ليس القصور في استعداد الفاعل، و إن أراد به اشتراط استعداد و قابلية في القابل، بمعنى إمكان وقوعه، إذن فقد رجع إلى المعنى السابق. و بهذا يتضح بطلان هذا الكلام بلا إشكال.
فهذا دليل على أن الإمكان الاستعدادي ليس دخيلا في حقيقة الحكم.