النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٥٩ - المسألة ١٤٩
ثالثها: -و هذا مهم-أن فاء السببية لا بد أن تقع-غالبا-فى جواب نفى أو طلب أو ملحقاتهما... ؛ فما بعدها مسببب عما قبلها و جواب له. أما واو المعية فتقتضى مصاحبة ما قبلها و ما بعدها مصاحبة حقيقية عند وقوعهما؛ أى:
تستلزم تلاقيهما و اجتماعهما فى زمن واحد عند تحقق معناهما و حصوله، و هذه المصاحبة تمنع أن يكون ما بعد الواو مسببا عما قبلها، و جوابا له؛ لأن المسبب و الجواب لا بد أن يتأخرا-حتما-فى وجودهما عن السبب، و عما يحتاج إلى إجابة.
و هذا التأخر يناقض المصاحبة و يعارضها. و لهذا يقول النحاة: إن صحة الفهم و دقة التعبير يقضيان بتخطئة من يقول عند الإعراب [١] : (واو المعية الواقعة فى جواب النفى، أو الأمر، أو النهى، أو غيرهما من بقية الأنواع السالفة... ) و بتصويب من يقول: «واو المعية» الواقعة بعد النفى أو الطلب من غير ذكر لكلمة جواب؛ لأن وقوع الجملة المشتملة على هذه الواو جوابا عما قبلها يقتضى-كما تقدم-أن يكون تحقّق معناها متأخرا عن تحقق معنى التى قبلها، و هذا يعارض ما تفيده واو المعية من تحقق معنى السابق عليها و اللاحق فى زمن واحد.
رابعها: أنّ واو المعية-هنا-لا بد أن يسبقها نفى محض، أو طلب، أو ملحقاتهما، و لا بد كذلك أن تدل على المصاحبة الزمنية الحقيقية عند تحقق معنى ما قبلها و ما بعدها. و هذه المصاحبة تقتضى أن ينصبّ النفى و النهى و غيرهما من بقية الأنواع، على ما قبل الواو و ما بعدها معا، أى: أن النفى و النهى و نظائرهما يشملان ما قبل الواو و ما بعدها، لا محالة، و لا يقتصران على أحدهما دون الآخر (بشرط أن تكون الواو للمعية، و المضارع بعدها منصوبا) فمن يقول لا آكل و أتكلم.
بنصب «أتكلم» فإنما ينفى اجتماع الأمرين (الأكل و الكلام) فى وقت واحد؛ فالنفى مسلّط على ما قبل الواو و ما بعدها مجتمعين. أما شأنهما عند عدم مصاحبتهما فمسكوت عنه، و الحكم عليه متروك، لا دخل للنفى-و غيره-به؛ فقد يقع الأكل وحده أو لا يقع. و قد يحصل التكلم وحده أو لا يحصل، و قد يقع الأكل و التكلم و لكن فى وقتين مختلفين، أولا يقعان مطلقا... فلا يمكن القطع بأحد هذه الأشياء إلا بقرينة خارجة عن الجملة.
و من يقول: لا أكتب و ألوّث أصابعى (بنصب: «ألوّث» ) فإنما ينفى اجتماع
[١] على سبيل الحقيقة، لا على ضرب من المجاز البعيد.