النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٣٢ - المسألة ١٤٩
و الناطق بمثل: لا يتبلّد فيفقد كريم الشعور، يريد أمرين معا؛ هما:
عدم التّبلّد، و ما يترتب عليه من عدم فقد الشعور الكريم؛ فكأنه يقول: لا يتبلّد، و عدم تبلّده يؤدى إلى عدم فقده الشعور الكريم، أى: لا يتبلّد فلا يفقد كريم الشعور... فما بعد الفاء مسبب عما قبلها. و كلاهما منفى هنا أيضا.
و الناطق بمثل: لست أنكر الفضل فأتهم بالجحود... يريد الأمرين، عدم إنكار الفضل، و ما يؤدى إليه من عدم الاتهام بالجحود. و مثل هذا يقال فى الشطر الثانى من المثال.
و الناطق بمثل: لا تصاحب غادرا فينالك غدره... يريد أمرين معا؛ النهى عن مصاحبة الغادر، و بيان ما يترتب على مصاحبته من الإصابة بغدره. و مثل هذا يقال فى بقية المثال.
و الناطق بمثل: أتعرف لنفسك حقها؛ فتصونها عن الهوان؟يريد أمرين؛ سؤال المخاطب عن معرفته حق نفسه، و بيان ما تؤدى إليه هذه المعرفة. كما يسأله عن إدراكه حقيقة الكبر و الضعة، و بيان ما يترتب على هذا الإدراك...
فنلحظ فى كل الأمثلة السالفة-و أشباهها-أن «الفاء» تتوسط أمرين السابق منهما، هو «العلة» أو «السبب» فى المتأخر الذى يليها، و لهذا سميت:
«فاء السببية» ، أى: «الفاء» التى معناها الدلالة على أن ما بعدها مسببب عما قبلها، و لا بد-هنا-أن يليها مضارع منصوب.
كما نلحظ شيئا آخر؛ هو: دلالتها على «الجواب» [١] و المراد من دلالتها على الجواب أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ترّتب الجواب على السؤال؛ سواء أكان ما قبلها مشتملا على استفهام؛ كالمثال الرابع، أم غير مشتمل عليه، كبقية الأمثلة. و لهذا توصف بأنها: «الجوابية [١] » أى: التى تدل على أن ما بعدها
(١ و ١) سبق الإيضاح الوافى لمعنى: «الجواب» ، و تحديد الغرض منه عند الكلام على «إذن» الناصبة، ص ٢٩٠؛ فأمر الجواب هنا و هناك واحد. أما المعنى و العمل فمختلفان من نواح متعددة. و يزيد النحاة هنا: أن «فاء السببية» لا بد أن يسبقها نفى محض أو طلب (أو ملحق بهما، كما هو مبين فى عملها فى الصفحة التالية) و كلاهما يشبه الشرط فى أن مضمونه غير محقق الوقوع و لا مقطوع بحصوله، و ما بعد الفاء مسبب عما قبلها؛ كتسبب جواب الشرط على فعل الشرط.
هذا، و العدول عن العطف المحض بالفاء إلى العطف مع نصب المضارع بأن المضمرة وجوبا هو الذى يدل على التسبب.