النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٥٦ - المسألة ١٤٧
من قرأها بالتنوين فى قوله تعالى يصف اهل الجنّة: (متّكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا. و دانية عليهم ظلالها، و ذلّلت قطوفها تذليلا، و يطاف عليهم بآنية من فضّة و أكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضّة قدّروها تقديرا... ) فقد نونت كلمة «قواريرا» ، الأولى لمراعاة آخر الجملة التى قبلها، و مراعاة لآخر الجملة التى بعدها... و نونت كلمة: «قواريرا» الثانية لمراعاة الأولى... و مراعاة نهاية الآية السابقة، فإنّها منونة أيضا.
و من الأمثلة قراءة من قرأ: «يغوث» ، و «يعوق» منونتين فى قوله تعالى عن المشركين، و مخاطبة بعضهم بعضا بالتمسك بأصنامهم: (و قالوا: لا تذرنّ آلهتكم، و لا تذرنّ ودّا، و لا سواعا، و لا يغوثا، و يعوقا، و نسرا [١] ) ، فقد نونت الكلمتان مراعاة لما حولهما من كلمات أخرى منونة.
الثانية: الضرورة الشعرية [٢] ، و ما فى حكمها [٢] -؛ فيضطر الشاعر ببسبها
[١] كل هذه أسماء أصنام اتخذها المشركون من أهل الجاهلية آلهة لهم عبدوها.
(٢، ٢) الشائع فى أكثر الكتب النحوية أن «الضرورة» خاصة بالشعر وحده. لكن بعض المحققين لا يرون هذا التحديد الضيق، كما صرح ابن برى فى رسالته المطبوعة فى نهاية «مقامات الحريرى» ، يدافع فيها عن صاحب «المقامات» ، و يصحح كل ما أخذه عليها «ابن الخشاب البغدادى» ، فقد صرح ابن برى بأن الضرورة ليست مقصورة على الشعر وحده، و إنما تشمل السجع و الفواصل أيضا.
و فيما بلى نص كلامه (ص ١١ من تلك الرسالة) :
(اعلم أن للسجع ضرورة الشعر، و أن له و زنا يضاهى ضرورة الوزن الشعرى فى الزيادة و النقصان و الإبدال، و غير ذلك. و حذفوا التنوين فيه كما حذفوه فى الشعر-و ساق أمثلة متعددة تؤيد كل ما سبق- حكى ذلك الخليل، و أبو حنيفة الدينورىّ... و قد جاء مثل هذا فى فواصل القرآن، لتتفق الفواصل.
فمن الزيادة قوله تعالى فى سورة الأحزاب: عن الكافرين: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي اَلنََّارِ، يَقُولُونَ:
يََا لَيْتَنََا أَطَعْنَا اَللََّهَ، وَ أَطَعْنَا اَلرَّسُولاَ. `وَ قََالُوا رَبَّنََا إِنََّا أَطَعْنََا سََادَتَنََا وَ كُبَرََاءَنََا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ ) ''-فقد زيدت ألف فى آخر كلمة «السبيل» ؛ مراعاة لكلمة «السول» ، و زيدت ألف فى كلمة: «الرسول» لأن الآيات التى قبلها مختومة، بكلمات منونة، منصوبة، آخرها ألف. و كذلك زيدت ألف فى كلمة:
«الظنون» من قوله تعالى فى سورة الأحزاب.. «وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا» و زيادتها لمراعاة أواخر الآيات التى قبلها، المختومة بكلمات منصوبة آخرها ألف (أليما-بصيرا.. ) فزيدت الألف فى الفواصل كما تزاد فى الشعر، آخر القافية-بقصد الإطلاق. و من النقص قوله تعالى فى سورة الفجر:
«وَ اَلْفَجْرِ، `وَ لَيََالٍ عَشْرٍ، `وَ اَلشَّفْعِ، وَ اَلْوَتْرِ، `وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَسْرِ» فحذفت الياء من «يسر» اتباعا للوتر، و ما تقدمه. و كذلك حذفت الياء-من أكرمنى، و أهاننى-فى قوله تعالى تعالى فى هذه السورة: ''فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ-