التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٤٧ - سورة التوبة
هذا في جوهره أن الزمان هو دورة الأرض أو الساعة بل عقربها.
و لا شيء وراء ذلك، هذا ما أراده اينشتين بقوله: «الزمان- مكان» و هذا المعنى لا يتناقض مع ظاهر الآية. لأنه تعالى هو الذي خلق الأرض و غيرها من الكواكب، و أودع فيها النواميس التي تتحكم بحركاتها المنظمة المحكمة بحيث نعرف منها أن هذا متقدم، و ذاك متأخر، و أن الذي بينهما هو الحاضر، و هذا هو الزمان الذي فطر الناس على معرفته بلا كسب و استدلال، و الكل من خلقه تعالى المحكم او تدبيره المتقن.
مِنْهََا أَرْبَعَةٌ أشهر حُرُمٌ و هي رجب و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ أي أن تقسيم الأشهر إلى ١٢ شهرا و تحريم الأشهر الأربعة هذه هو الدين المستقيم، و في هذا النص دلالة قاطعة على أن علوم الدنيا هي علوم الدين بالذات ما دامت صالحة و نافعة في جهة من الجهات فَلاََ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ باستحلال القتال و اعتداء بعضكم على بعض وَ قََاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمََا يُقََاتِلُونَكُمْ كَافَّةً قاتلوا عدوكم بنفس السلاح الذي يقاتلكم فيه، و نفس الطريقة التي يحاربكم بها، فهل استجبنا نحن المسلمين لأمره تعالى و نصحه؟و لو كنا مسلمين حقا لسمعنا للّه و أطعنا، و كان معنا حافظا و نصيرا، كما قال سبحانه: وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ الذين وحدوا صفوفهم كافة ضد عدوهم المشترك و لم يتفرقوا شيعا، و يسفكوا دماءهم، و يهدموا كيانهم و سلطانهم بأيديهم.
٣٧- إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ كان عرب الجاهلية أصحاب حروب و غارات، و أيضا كانوا يعتقدون بتحريم القتال في الأشهر الحرم، فإذا اضطروا إلى الحرب في شهر منها كالمحرم-مثلا-قاتلوا فيه، و حرموا بدلا عنه شهر صفر الذي لا يحرم فيه القتال، و هذا هو المراد بالنسيء هنا، و هو كما قال سبحانه: زِيََادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ بضم تحليل الحرام إلى الشرك أو إلى الحرب العدوانية يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عََاماً حيث يريدون الحرب وَ يُحَرِّمُونَهُ عََاماً حيث لا يريدونها. و بكلمة الدين أهواء تتبع، و أحكام تبتدع لِيُوََاطِؤُا عِدَّةَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ ليوافقوا عدد الأشهر الأربعة، كأن المهم هو عد الأشهر لأنفسها.
٣٨- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ بلغ النبي (ص) أن الروم اعتزموا غزو المدينة المنورة، فأعلن النفير العام لغزوة تبوك فشق ذلك على فريق من الصحابة لبعد الشقة و كثرة العدو، و آثروا الإقامة على أرضهم و بيوتهم، فعاتبهم سبحانه أولا بقوله: «ما لكم... » ؟ و ثانيا بقوله: أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مِنَ اَلْآخِرَةِ... هل يليق بإيمانكم أن تؤثروا العاجلة على الآجلة؟ ٣٩- إِلاََّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لاََ تَضُرُّوهُ شَيْئاً تدعون الإيمان و لا تنفرون إلى جهاد الكافرين؟فإن اللّه ينزل بكم العذاب تماما كما ينزله بالجاحدين، و ينصر نبيه و دينه بأيدي غيركم، و لا يضر اللّه و رسوله تثاقل الخائفين و نفاق المنافقين.
٤٠- إِلاََّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ