التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢١٧ - سورة الأعراف
أي من قومه سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقََاتِنََا صحبهم معه إلى الطور ليسمعوا كلام اللّه، و يزدادوا إيمانا، و لما سمعوا كلامه جل و عز قالوا: أرنا اللّه جهرة.
فَلَمََّا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ الصاعقة عقابا لهم على هذه الجرأة قََالَ موسى: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيََّايَ اختار موسى من بني إسرائيل ٧٠ رجلا، و صحبهم معه إلى اللّه، و لما طلبوا الرؤية سفها و جهلا أهلكهم سبحانه من دون موسى. فما يصنع؟هل يعود إلى بني إسرائيل وحيدا فريدا و هل يقبلون منه لو أعلمهم بالحقيقة؟إنه لموقف يضعف فيه الفؤاد و تقل فيه الحيلة، فتضرع إلى اللّه سبحانه أن يكشف عنه ما هو فيه أَ تُهْلِكُنََا بِمََا فَعَلَ اَلسُّفَهََاءُ مِنََّا كلا، إنك أجل و أعظم إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ أي محنتك و ابتلاؤك تُضِلُّ بِهََا مَنْ تَشََاءُ و اللّه سبحانه عادل و حكيم، و يستحيل في حقه أن يضل أحدا من عباده إلا أن يختارها هو بملء حريته «Bفَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ -٥ الصف» وَ تَهْدِي مَنْ تَشََاءُ بعد ان يختار العبد الهداية لنفسه «Bوَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً ١٧ محمد» .
١٥٦- قََالَ عَذََابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشََاءُ من المجرمين و أهل المعاصي وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فما من مؤمن و لا كافر و لا مطيع و لا عاص إلا و هو متقلب في نعمة اللّه و رحمته، و بكلمة العذاب مشروط بالمعصية، أما الرحمة فهي بلا قيد و شرط فَسَأَكْتُبُهََا على الحتم و الجزم يوم القيامة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي يأتمرون بأمر اللّه، و ينتهون بنهيه.
١٥٧- اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ محمدا، و الأمية وصف خاص به من دون الأنبياء، إشعارا بأنه على أميته أخرج الناس من الظلمات إلى النور اَلَّذِي يَجِدُونَهُ أي يجدون أوصافه مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ تقدم في الآية ١٤٦ من البقرة يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهََاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبََاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أثقالهم أي أنه تعالى يريد بعباده اليسر و لا يريد بهم العسر وَ اَلْأَغْلاََلَ اَلَّتِي كََانَتْ عَلَيْهِمْ فالإنسان حر في آرائه و في اختيار الأسلوب الذي يتلاءم معه في الحياة على أن تنتهي حريته عند حرية الآخرين و مصلحتهم، لأن الحرية الخاصة تحمل في طبيعتها مكروب القضاء على كل حرية. و لا بد من الإشارة إلى أن هذه الآية الكريمة تحدد الإسلام بكلمات قليلة و واضحة يمكن تلخيصها بأنه حينما يوجد الخير و المصلحة فثم دين اللّه و شريعته.
قالإعراب:
قَوْمَهُ منصوب بنزع الخافض، أي و اختار من قومه. و سَبْعِينَ مفعول اختار: و رَجُلاً تمييز. و لَوْ شِئْتَ مفعول شئت محذوف أي لو شئت إهلاكنا. و أَهْلَكْتَهُمْ جواب لو، و إياي معطوف على الضمير المنصوب في أهلكتهم. و إِنْ هِيَ ان نافية بمعنى ما، و هي ضمير عائد الى الرجفة. و اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ بدل من للذين يتقون.