التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٥٢٧ - سورة العنكبوت
٤٥- اُتْلُ مََا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ اَلْكِتََابِ القرآن، و تقدم في الآية ٢٧ من الكهف إِنَّ اَلصَّلاََةَ تَنْهىََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ لتشريع وجوب الصلاة علة و حكمة، و علة الوجوب مشيئة اللّه و كفى، أما الحكمة منه فهي أن يبتعد المصلي في جميع تصرفاته و مقاصده عن الفحشاء و المنكر أي عن الحرام بشتى أنواعه، و معنى هذا أن الانتهاء عن المنكر حكمة لوجوب الصلاة في عالم التشريع لا لوجود الصلاة في الخارج، فمن صلى و انتهى يسقط عنه وجوب الصلاة و يثاب عليها أيضا، و من صلّى و لم ينته يسقط عنه الفرض قطعا، أما الثواب فبعلم اللّه، تقول هذا علما بأن الفقهاء ربطوا بين الثواب على الصلاة، و التوجه إليها فكرا و قلبا لا بين الثواب و الانتهاء وَ لَذِكْرُ اَللََّهِ أَكْبَرُ أي ذكر اللّه تعالى للمصلي بالرضا و الأجر أكبر من ذكر المصلي للّه في قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده، و مثله قوله تعالى: «Bفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ -١٥٢ البقرة» .
٤٦- وَ لاََ تُجََادِلُوا أَهْلَ اَلْكِتََابِ إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أهل الكتاب: اليهود و النصارى، و الأحسن: الأصلح و الأنجح الذي يقرب و لا يبعد، و يبشر و لا ينفر، و إنما خصّ سبحانه أهل الكتاب بالذكر علما بأن الأسلوب هو المطلوب من غير قيد لأن المفروض في أهل الكتاب أن يتقبلوا الحق ما داموا يؤمنون باللّه و اليوم الآخر كما يزعمون إِلاَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ و هم الذين إذا سمعوا القول لا يتبعون أحسنه تعنتا و تعصبا. فهؤلاء لا يسوغ الحديث معهم بحال وَ قُولُوا أيها المسلمون لأهل الكتاب: آمَنََّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنََا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ... لما ذا التعصب و التباغض؟فعلى الصعيد الإنساني نحن و أنتم سواء في الحقوق و الواجبات، أما على الصعيد الديني فكلنا نؤمن بوحي السماء. هكذا ينظر الإسلام إلى أهل الكتاب نظرة التسامح و الإخاء لا نظرة التعصب و العداء، و شهد بذلك العديد من أقطاب المسيحيين المنصفين منهم «جيدر بامات» في كتابه مجالي الإسلام تعريف عادل زعيتر، فقد جاء في الفصل الثاني نظرة في مذهب الإسلام «من النادر أن لاقى دين ما لاقى الإسلام من جحود و تشويه من المبشرات البالغة الغلظة و المقترحات البالغة الوقاحة حول محمد و تعاليمه... مع العلم بأن المسلمين منعوا من أن يمس النصارى بسوء، و تركوا المغلوبين أحرارا في المحافظة على دينهم، و لما صار الصليبيون سادة ذبحوا المسلمين بلا رحمة» .
٤٧- وَ كَذََلِكَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ أي كما أنزلنا على من قبلك من الرسل كذلك أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن فَالَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يريد سبحانه العلماء المنصفين من أهل الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ يصدقون كل ما جاء في القرآن وَ مِنْ هََؤُلاََءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ هؤلاء إشارة إلى مشركي قريش فقد أسلم بعضهم عن صدق و إخلاص.
٤٨- وَ مََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتََابَ اَلْمُبْطِلُونَ هل يخطر على ذهن عاقل بأن هذا القرآن من إنشاء محمد و فيه من الحقائق و العلوم ما يجهله محمد و غيره قبل نزول القرآن إضافة إلى أنه لا يقرأ و لا يكتب كي يتشدق و يتحذلق جاهل سافل بأن محمدا قرأ و نقل بقلمه من أسفار الأولين.
٤٩- بَلْ هُوَ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ فِي صُدُورِ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ و هم محمد و أهل بيته (ص) الذين هم خزنة علمه، و العلماء المتمسكون بعروته.