التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٨٩ - سورة الكهف
يَأْتِيَهُمُ اَلْعَذََابُ قُبُلاً وجها لوجه، و معنى الآية بجملتها أنه تعالى بعد أن قال عن الإنسان انه كثير الجدال، قال: أتدرون لماذا يتمرد أكثر الناس على الحق المبين الظاهر لأنهم لا يؤمنون بل منهم من يصرّ على الضلال حتى الهلاك كما جرى لكثير من الأولين بمنطق الحق و العقل، بل بمنطق القوة و العذاب.
٥٦- وَ مََا نُرْسِلُ اَلْمُرْسَلِينَ إِلاََّ مُبَشِّرِينَ بالنعيم من يسمع لأمر اللّه و يطيع وَ مُنْذِرِينَ بالجحيم من تمرد و عصى و تقدم مرات، منها في الآية ١٦٥ من النساء وَ يُجََادِلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبََاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَّ يخذلون الحق و يناصرون الباطل قولا و عملا وَ اِتَّخَذُوا آيََاتِي وَ مََا أُنْذِرُوا هُزُواً أقام سبحانه الشواهد و الدلائل و أنذر من تمرد بعذاب أليم، فاتخذ المجرمون من الأدلة و الإنذار موضوعا للهو و اللعب، و كل من عرف الحق و لم يعمل به فقد اتخذ دين اللّه هزوا و لعبا ٥٧- وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيََاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهََا لأن الحق عنده هواه و مناه وَ نَسِيَ مََا قَدَّمَتْ يَدََاهُ يستهين بكل كبيرة و جريمة و كأنها أحل الحلال تماما كمن كان يأكل الربا و يسميه اللبأ إِنََّا جَعَلْنََا عَلىََ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ القرآن وَ فِي آذََانِهِمْ وَقْراً صمما، و القصد في هذه الحكاية و الإخبار عما هو واقع و كائن و ليس الخلق و الإيجاد. و تقدم بالحرف في الآية ٢٥ من الأنعام و غيرها.
وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى اَلْهُدىََ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً لأنهم يرمون سلفا إلى هدف معيّن، لا يحيدون عنه بحال، و إذن فمن العبث أن تتعب نفسك في إرشادهم و هدايتهم.
٥٨- وَ رَبُّكَ اَلْغَفُورُ ذُو اَلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤََاخِذُهُمْ بِمََا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ اَلْعَذََابَ و لكن يؤجلهم عسى أن يرجعوا إلى السمع و الطاعة بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ و هو يوم القيامة لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ملجأ، و تقدم في الآية ٦١ من النحل.
٥٩- وَ تِلْكَ اَلْقُرىََ كقوم نوح و عاد و ثمود أَهْلَكْنََاهُمْ لَمََّا ظَلَمُوا هذا تهديد لمن حارب دعوة التوحيد و كلمته: أن يأخذهم سبحانه كما أخذ الذين من قبلهم و فعلوا مثل ما فعلوا ٦٠- وَ إِذْ قََالَ مُوسىََ لِفَتََاهُ إذا أطلقت كلمة موسى في القرآن الكريم فهم منها موسى بن عمران (ع) أما فتاه فالمراد به يوشع بن نون أو يشوع كما في التوراة، و في قاموس الكتاب المقدس: انه كان خادما لموسى، ثم عيّنه لقيادة بني إسرائيل، ثم خليفة له لاََ أَبْرَحُ حَتََّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ اَلْبَحْرَيْنِ لا أزال سائرا حتى أصل إلى هذا المكان و قيل: هو ملتقى البحر الأبيض و البحر الأحمر أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً زمنا طويلا، و المعنى إما أن أبلغ مجمع البحرين و اما أن أبقى سائرا إلى ما شاء اللّه.
٦١- فَلَمََّا بَلَغََا موسى و فتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِمََا بين البحرين نَسِيََا حُوتَهُمََا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي اَلْبَحْرِ سَرَباً قيل: إن سائلا سأل موسى: أي الناس أعلم؟قال: أنا فأوحى سبحانه إليه: عند مجمع البحرين رجل يعلم ما لا تعلم.
قال: كيف لي به؟قال تعالى: تحمل معك حوتا ميتا فحيث تفقده فالعالم هناك، فحمل الحوت وجدّ في السير هو وفتاهه حتى بلغا مجمع البحرين، فأخذت موسى سنة فنام، و في أثناء نومه قفز الحوت إلى البحر، فكانت هذه آية من آيات اللّه لموسى، و كان ذلك بمرأى من يوشع، و حين استيقظ موسى من نومه قال له: هلمّ نتابع السير.