التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٨٧ - سورة الكهف
٤٥- وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّيََاحُ شبّه سبحانه الدنيا في نضرتها بماء نزل على الأرض، فأخصبت و أنبتت من كل زوج بهيج، و لكن ما أسرع أن ذوى و جفّ و صار هشيما تنثره الرياح.
٤٦- اَلْمََالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا و المراد بهذه الزينة كل ما تشتهيه الأنفس، و تلذه الأعين من مأكل طيّب، و ملبس جيد، و امرأة جميلة، و صحة كاملة، و منزلة عالية، و أمن و أمان، و ما يشبه ذلك من طيّبات الدنيا و ملذاتها، كل ذلك حلال محلل إلاّ أن يكون على حساب الآخرين أو محرّما بنص البلاغ المبين، و خير و أفضل من كل الطيبات في الحياة الدنيا ما أشار إليه سبحانه بقوله: وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوََاباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً و نفهم من هذه الكلمة الرائدة الهادية أن العمل لن يكون من الباقيات الصالحات إلا أن يكون له مثوبة و مكانة رفيعة عند اللّه، و أن يحقق أملا من الآمال و أمنية من الأماني النافعة. و تقدم في الآية ١٤ من آل عمران.
٤٧- وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبََالَ يشير سبحانه بهذا إلى أهوال يوم القيامة، و أنه يقتلع الجبال من أماكنها، و يسيرها في الجو كالسحاب وَ تَرَى اَلْأَرْضَ بََارِزَةً بادية ظاهرة لا حجر و شجر و لا بناء و خباء يحجب الأبصار وَ حَشَرْنََاهُمْ فَلَمْ نُغََادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً من الأولين و الآخرين لنقاش الحساب و الجزاء على الأعمال و الأقوال.
٤٨- وَ عُرِضُوا عَلىََ رَبِّكَ صَفًّا يقف الخلائق بالكامل بين يدي الخالق بنظام محكم و دقيق بلا فوضى و عرقلة سير لَقَدْ جِئْتُمُونََا كَمََا خَلَقْنََاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً بهذا يفتح سبحانه جلسة المحاكمة:
قلتم في الحياة الدنيا: من مات فات، و الآن ماذا ترون؟لقد خلقناكم و رزقناكم و أمتناكم ثم أحييناكم كي نسأل و نحاسب و نثيب أو نعاقب على ما كنتم تعتقدون و تقولون و تفعلون. ثم يبدأ الحساب بوضع اَلْكِتََابُ فَتَرَى اَلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ خائفين مِمََّا فِيهِ يعطي سبحانه كل مجرم صحيفة أعماله، و يقول له: «اقرا كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا-١٤ الإسراء» فيقرأ و نفسه مفعمة بالخوف.
وَ يَقُولُونَ يََا وَيْلَتَنََا يا حسرتنا مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا بالأمس لا كتاب و لا حساب، على القطع و الجزم، و اليوم يا حسرتنا يا ويلتنا على ما فرطنا... ما كان أغناهم عن الحالين!و العاقل لا يجزم بما هو فوق تصوّره و إدراكه نفيا و لا إثباتا، بل يضعه في عالم الإمكان حتى يصدقه أو يكذبه الدليل و البرهان، و لا شيء أكثر من الشواهد على هذه الحقيقة. و من كان يتصوّر أن الإنسان يصعد إلى القمر، و هو الآن من الأشياء العادية، إذن فالكثير مما هو فوق التصور يمكن وجوده، و لا يعمى عن ذلك إلا جهول متخلف.
ق<الإعراب: > و هنالك ظرف مكان للبعيد خبر مقدم، و الولاية مبتدأ مؤخر، و للّه متعلق بمحذوف حالا من الولاية، و الحق صفة للّه. و ثوابا تمييز،