التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٨٢ - سورة الكهف
١٦- وَ إِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ الخطاب من بعض فتية أهل الكهف لبعض، و ضمير الغائب «هم» لقوم الفتية، و المعنى قال بعض الفتية لبعض: ما دمتم قد تركتم قومكم، و أيضا تركتم الأصنام التي يعبدونها من دون اللّه، و المشار إليها بقولهم: وَ مََا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللََّهَ أي غير اللّه، ما دمتم على هذا فَأْوُوا إِلَى اَلْكَهْفِ حيث لا نملك مقرا سواه يَنْشُرْ يبسط لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ما زال الكلام للفتية وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً أي ترتفقون به، من الرفق، و عندئذ دخلوا الكهف، و أوكلوا أمرهم إلى اللّه راضين بما يختاره لهم.
١٧- وَ تَرَى اَلشَّمْسَ إِذََا طَلَعَتْ تَزََاوَرُ تنحرف عَنْ كَهْفِهِمْ ذََاتَ اَلْيَمِينِ وَ إِذََا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ تعدل عنهم ذََاتَ اَلشِّمََالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي في مكان واسع من الكهف، فقد كان كبيرا، و له كوة ينفذ منها الهواء الطيب و نور الشمس و كانت الشمس لا تصل إلى أجسامهم لا عند طلوعها و لا عند غروبها. لأنهم كانوا في مكان من الكهف لا يصل إليه نورها.
مَنْ يَهْدِ اَللََّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِي كأهل الكهف، سلكوا طريق الهداية، فأخذ اللّه بيدهم وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً كالذين أرادوا التنكيل بأهل الكهف. و خير تفسير لهذه الآية قول الإمام علىّ (ع) : من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ و زاجر لم يكن له من غيرها لا زاجر و لا واعظ... و من له من نفسه واعظ كان عليه من اللّه حافظ.
١٨- وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقََاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذََاتَ اَلْيَمِينِ وَ ذََاتَ اَلشِّمََالِ وَ كَلْبُهُمْ بََاسِطٌ ذِرََاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ باب الكهف، كانت عيونهم مفتوحة كأنها تنظر إلى الأمام و أجسادهم طرية يجري الدم في عروقها، يتقلّبون من جنب إلى جنب، و كلبهم بفناء الكهف أو بابه باسط ذراعيه كأنه الحارس الأمين لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرََاراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً لأنهم في وضع غير مألوف أو لأنه تعالى أحاطهم بصور من المهابة و في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل تأليف محمد بن أحمد الكلبي: أن معاوية بن أبي سفيان لما غزا الروم مرّ بالكهف، فأراد الدخول إليه، فقال له ابن عباس: لا تستطيع ذلك، إن اللّه قال لمن هو خير منك: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا، فبعث معاوية إليهم ناسا، فلما دخلوا الكهف بعث اللّه ريحا فأحرقتهم.
١٩-٢١- وَ كَذََلِكَ بَعَثْنََاهُمْ لِيَتَسََاءَلُوا بَيْنَهُمْ استمروا في نومهم ٣٠٩ كما يأتي في الآية ٢٥ ثم أيقظهم سبحانه من نومهم الطويل ليتساءلوا عن مدة نومهم، و يزدادوا إيمانا باللّه و بالبعث قََالَ قََائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قََالُوا لَبِثْنََا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قََالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثْتُمْ حين استيقظوا من النوم تساءلوا عن أمده: أ يوما كان أو بعض يوم؟ثم تركوا ذلك إلى علمه تعالى، و في شتى الأحوال فإن قول من قال منهم: يوما أو بعض يوم، يومئ إلى أنه لم يتغيّر فيهم شيء على الإطلاق كطول الشعر و الأظفار كما زعم بعض المفسرين و إلا لم يكن لهذا التساؤل أو القول من معنى فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هََذِهِ الدراهم المضروبة، و كانت معهم حين خرجوا إلى الكهف إِلَى اَلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهََا أَزْكىََ طَعََاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أحسوا بالجوع فاختاروا واحدا منهم ليشتري لهم طعاما