التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣١٨ - سورة يوسف
٩٩- فَلَمََّا دَخَلُوا عَلىََ يُوسُفَ آوىََ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ فضمهما إلى بيته و عائلته، و أنزل إخوته في مكان آخر، و في قاموس الكتاب المقدس: أن اسم أم يوسف راحيل، و هو اسم عبري معناه شاة، و أنها ماتت عند ولادة بنيامين. و عليه فالمراد بأمه في الآية امرأة أبيه، و قيل: إنها خالته أخت أمه.
وَ قََالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ أي امكثوا معي في مصر، و اتخذوها وطنا لكم، و لا يسوغ أن تبقى كلمة الدخول هنا على ظاهرها حيث لا يستقيم عجز الكلام مع صدره إذ يصبح المعنى هكذا بعد أن دخلوا مصر قال لهم: ادخلوا مصر، و جاء في الأخبار أن فرعون أقطعهم أرضا خصبة، و ظلت سلالة يعقوب فيها إلى عهد موسى.
١٠٠-١٠١- وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ أجلسهما على سرير الملك وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً تكريما لا تعبدا، لأن العبادة لا تسوغ إلاّ للّه وَ قََالَ يََا أَبَتِ هََذََا تَأْوِيلُ رُءْيََايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهََا رَبِّي حَقًّا يشير بهذا إلى قوله في أول السورة: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر رأيتهم لي ساجدين وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي... يعدد آلاء اللّه عليه حامدا شاكرا، و في نهج البلاغة لم تعظم نعمة اللّه على أحد إلا ازداد حق اللّه عليه عظما} أَنْتَ وَلِيِّي تتولى أمري و تقوم به فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً لا تمتني إلاّ و أنت عني راض، و هذه اللحظة هي الأصل و الأساس، و فيها يتقرر المصير.
١٠٢- ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ الخطاب لمحمد (ص) و المعنى أن ما أخبر به محمد عن يوسف لم يشاهده بنفسه أو يقرأه في كتاب أو يسمعه من إنسان، و إذن فهو وحي من اللّه دال على صدقه و نبوته وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ما كنت حاضرا مع إخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عزموا على إلقائه في الجب وَ هُمْ يَمْكُرُونَ بيوسف و يكيدون له، ما كنت حاضرا معهم و عندهم، و لكن اللّه سبحانه أخبرك بذلك و أوحى به إليك، لتخبر عنه بدورك، و يكون إخبارك هذا حجة للّه و لك على من جحد برسالتك.
١٠٣- وَ مََا أَكْثَرُ اَلنََّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ اجتهد محمد (ص) و حرص كل الحرص على دعوة الناس إلى الحق، و أقام الأدلة الوافية الكافية على صدقه، فأبى أكثر الناس أن يؤمنوا و يصدقوا كما قال سبحانه: «Bوَ لَقَدْ صَرَّفْنََا لِلنََّاسِ فِي هََذَا اَلْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبىََ أَكْثَرُ اَلنََّاسِ إِلاََّ كُفُوراً -٨٩ الاسراء» و إذن فالذنب ذنبهم لا ذنب محمد (ص) و أدلته، و فوق ذلك أن رسالة محمد أثبتت على مدى القرون و إلى آخر يوم، سمّوها و كمالها، و مع هذا بقيت الكثرة الكاثرة على جحودها، و السر أن الإنسان يقاد من شهوته و معدته لا من عقله و فطرته كما أشرنا أكثر من مرة.
١٠٤- وَ مََا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ و هنا يكمن سر الإعراض عنه!إنه دعاء إلى الحق، و الحق ثقيل إلاّ على الأبرار و هم أقل من القليل.