التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٨٥ - سورة هود
أودع في الإنسان و في الأرض ما أودع من طاقات ليميز بين الذين يعيشون بسبب مشروع و بين الذين يعيشون على حساب المستضعفين، فيعاقب هؤلاء على عصيانهم، و يثيب أولئك على طاعتهم للّه و رسوله وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ اَلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ إن كثيرا من المشركين رفضوا الإيمان بمحمد (ص) لما وقع في تصورهم من أن العظام لن تعود إلى الحياة و هي رميم و رفات...
و ما أبعد بين عقل هؤلاء و عقل الإمام علي (ع) الذي قال:
عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى، و هو يرى النشأة الأولى.
و سأل النبي (ص) سائل: كيف يبعث اللّه الموتى؟فقال:
أما مررت بوادي قومك جدبا، ثم مررت به يهتز خضرا؟ فقال السائل: بلى يا رسول اللّه. قال: كذلك يبعث اللّه الموتى و إذن فأين السحر؟
٨- وَ لَئِنْ أَخَّرْنََا عَنْهُمُ اَلْعَذََابَ إِلىََ أُمَّةٍ مدة مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مََا يَحْبِسُهُ ما الذي منع من وقوع العذاب علينا الآن إن كان حقا كما يقول أَلاََ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ -العذاب- لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ لأن بأسه تعالى لا يرد عن القوم المجرمين وَ حََاقَ بِهِمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ نزل بهم العذاب الذي استخفوا به، و سخروا منه «Bفَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ -٨٢ التوبة» .
٩-١٠- وَ لَئِنْ أَذَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنََّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنََاهََا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ... هذه الأوصاف: اليأس و الكفر و الفرح و الفخر المذكورة في هاتين الآيتين، و كذلك العجلة و حب المال و النساء و المتاع كما في العديد من الآيات، هذه الأوصاف ليست ذاتية للإنسان و لا تحديدا لطبيعته من حيث هي و إلا لشملت هذه الأوصاف و عمت الأنبياء و الأئمة و الأتقياء، و لما صح استثناء «Bاَلَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كما في آخر الكلام، و إنما هي تفسير لسلوك الكثير من أفراد الإنسان الذين يتأثرون بما يحيط بهم من عوامل و ظروف اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، و لذا ربط سبحانه وصف اليأس و الكفر بحدوث الضراء بعد النعماء، و وصف الفرح و الفخر بحدوث النعماء بعد الضراء، و لو كانت هذه الأوصاف ذاتية داخلية لا عرضية خارجية لكانت جنسا للإنسان أو فصلا لا تفارقه بحال. و من هذا الباب قول الإمام (ع) في نهج البلاغة: إن أصابه بلاء دعا مضطرا و إن ناله رخاء أعرض مغترا... إن استغنى بطر، و إن افتقر قنط.
١١- إِلاَّ اَلَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ فإنهم يمتازون عن سائر أفراد الإنسان بالاستقلال في شخصيتهم، و الإخلاص لدينهم، و الثبات على عقيدتهم في السراء و الضراء و الرضا و الغضب، و الفرح و الترح، و يتحملون كل المشاق، و النكبات في سبيل ما يدينون، و يقابلونها بشجاعة من غير تظلم و تأفف.
١٢- فَلَعَلَّكَ يا محمد تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحىََ إِلَيْكَ أبدا، لا يترك النبي و لن يترك بيان الحق إلى الخلق، كيف و هو أمانة في عنقه!و لكن بعض المشركين كانوا يستهزئون و يسخرون منه و من القرآن إذا دعاهم إلى الإيمان، و يقترحون عليه معجزات حسب أهوائهم تعنتا لا استرشادا، فمر بخاطر النبي (ص) -كما نظن-أن