التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٥٠ - سورة المائدة
بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ فيبطش البطشة الكبرى بمن يجرؤ على قدسه و جلاله، و أيضا يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ بغير حساب وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيََاناً وَ كُفْراً كلما نزلت عليك يا محمد آية من القرآن الكريم ازداد اليهود كفرا باللّه و حسدا لك و حقدا عليك. و لا حد و لا عد لمساوئ اليهود، تقدم منها كثير، و الآتي أكثر وَ أَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ إِلىََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ و قد عمّ و شمل هذا العذاب و الغضب من اللّه سبحانه المسلمين و العرب في عصرنا الراهن حتى المشردين منا و اللاجئين، و ما ربك بظلام للعبيد كُلَّمََا أَوْقَدُوا نََاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللََّهُ و هذه نتيجة حتمية للانشقاق و النزاع «Bوَ لاََ تَنََازَعُوا فَتَفْشَلُوا -٤٦ الأنفال» وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً و الفساد يعم و يشمل شتى أنواع الجرائم، و أعظمها العدوان على العباد.
٦٥- وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْكِتََابِ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَكَفَّرْنََا عَنْهُمْ... قيل في تفسير هذه الآية: إنها دعوة من القرآن لأهل الكتاب أن يسلموا، و هذا هو الظاهر، أما الواقع فإن القرآن يدعو أهل الكتاب و غيرهم أن يدرسوا الإسلام حتى يعلموا أمانيه و مراميه، و يعملوا بما علموا.
٦٦- وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ على جميع الأنبياء بما فيهم محمد (ص) لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ كناية عن رغد العيش وسعة الرزق، و ليس من شك أن اليهود و النصارى لو آمنوا بمحمد كما آمن المسلمون بموسى و عيسى، و عاشوا إخوانا متحابين-لكانوا جميعا في غنى عن الجدال و القتال، و لتوجه الإنتاج بالكامل إلى السلم و سد الحاجات، لا إلى الحرب و المقاتلات بحكم البديهة و الطبيعة، و عندئذ يعم الرغد و الرخاء الجميع على السواء، و يصبح ثمن الدار أقل من ثمن السيارة الآن، و هذه بثمن الساعة، و الساعة كالقلم، و القلم كالدبوس، و هكذا سائر السلع بشتى أنواعها.
مِنْهُمْ من أهل الكتاب أُمَّةٌ جماعة مُقْتَصِدَةٌ معتدلة حيث آمنت بمحمد كما آمن المسلمون أجمعين بموسى و عيسى وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ سََاءَ مََا يَعْمَلُونَ بإصرارهم على الضلال.
٦٧- يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ يدل أسلوب الخطاب مع النبي (ص) أن اللّه سبحانه قد أمره بتبليغ أمر مهم للغاية، و أن النبي قد ضاق به ذرعا، لأنه ثقيل على أنفس جماعة من الصحابة، و ذكر الرازي في سبب نزول هذه الآية وجوها، منها: «أنها نزلت في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام، و لما نزلت هذه الآية أخذ النبي بيد علي و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه. فلقيه عمر فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة، و هو قول ابن عباس و البراء بن عازب و محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام.