التفسير المبين - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٣٥ - سورة المائدة
١٣٥
عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ يشير سبحانه بهذا إلى ما حدث للنبي (ص) و الصحابة سنة ست للهجرة، مع المشركين يوم الحديبية، و تأتي القصة في سورة الفتح أَنْ تَعْتَدُوا لا تحملنكم عداوة المشركين على الاعتداء عليهم وَ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىََ وَ لاََ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ و موضوع هذه الآية التكافل الاجتماعي، و إن القوي مسؤول عن الضعيف، و الغني عن الفقير. ، و العالم عن الجاهل، و اولي الشأن عن إصلاح ذات البين.
٣- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ وَ مََا أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللََّهِ بِهِ هذه المحرمات الأربعة تقدمت في الآية ١٧٣ من البقرة وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ التي تموت خنقا وَ اَلْمَوْقُوذَةُ و المضروبة بعصا أو حجر و ما أشبه وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ الساقطة إلى أسفل وَ اَلنَّطِيحَةُ نطحتها بهيمة أخرى وَ مََا أَكَلَ اَلسَّبُعُ أي ما تبقى من فريسة الحيوان أسدا كان أم ثعلبا أو غيرهما.
ثم استثنى سبحانه من الخمسة الأخيرة ما ندركه حيا.
فإنه يحل لنا بالذبح الشرعي، و إليه أشار سبحانه بقوله إِلاََّ مََا ذَكَّيْتُمْ و تأتي الإشارة إلى كلب الصيد وَ مََا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ عطف على المحرمات، و النصب أحجار نصبها أهل الجاهلية حول البيت الحرام، و يذبحون لها، و يشرحون عليها اللحم، و يغطونها به وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاََمِ جمع زلم بضم الزاي و فتحها، و الزلم قطعة من خشب على هيئة السهم، و كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم أن يقدم على أمر كتب على الزلم أمرني ربي، و على ثان نهاني ربي، و أهمل الكتابة على الثالث، ثم يقترع ذََلِكُمْ فِسْقٌ حرام محرم، و الإشارة تشمل الجميع اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أي الآن و بعد أن أعز اللّه سلطان المسلمين فقد يئس الأعداء من زوال الإسلام أو تحريفه لأن قوة الدين من قوة أهله، فَلاََ تَخْشَوْهُمْ لأنكم أقوى منهم وَ اِخْشَوْنِ و إلا نزعت منكم السلطان، و سلطت عليكم أعداءكم، كما هو شأن المسلمين في العصر الراهن.
اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً اتفق المسلمون بشتى فرقهم و مذاهبهم على أن هذه الآية دون سائر آيات المائدة نزلت في مكة السنة العاشرة للهجرة التي حج فيها رسول اللّه (ص) حجة الوداع و أنه لما رجع إلى المدينة و بلغ في طريقه إليها غدير خم، جمع الناس، و خطب فيهم خطبته الشهيرة التي ذكر فيها علي بن أبي طالب من دون الصحابة و أمر المسلمين بموالاته، و للشيعة كلام طويل حول ولاية علي و خلافته و النص عليها كتابا و سنة علما بأن سيرة علي و خلاله الطبيعية الجلى هي التي تنص عليه بالذات فَمَنِ اُضْطُرَّ إلى شيء من المحرمات المنصوص عليها فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة غَيْرَ مُتَجََانِفٍ لِإِثْمٍ منحرف إلى البغي و متعد حدود اللّه فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي يسوغ للمضطر أن يتناول من المحرمات بمقدار الضرورة لأنها تقدر بقدرها، و الزائد حرام.