الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٢ - المنصور و الإمام الصادق
و لما قدم الإمام الكوفة التف الناس حوله و ازدحم رجال العلم عليه، و كان محل تقدير جميع الطبقات، مما جعل المنصور يحذر منه أشد الحذر، لأن الناس التفوا حول الإمام (عليه السلام) (و فتنوا به) على حد تعبير المنصور الدوانيقي، كما حدث بذلك أبو حنيفة قال: بعث إليّ المنصور و قال لي: إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له مسائل شدادا، فلخصت أربعين مسألة و بعثت بها إلى المنصور، ثم أبرد إليّ (أي أرسل إليّ بالبريد) فوافيته على سريره و جعفر بن محمد عن يمينه، فتداخلني من جعفر هيبة لم أجدها من المنصور فأجلسني.
ثم التفت إليه قائلا: يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة.
فقال (عليه السلام): نعم أعرفه.
ثم قال المنصور: سله عما بدا لك يا أبا حنيفة، فجعلت أسأله و يجيب الإجابة الحسنة حتى أجاب عن أربعين مسألة. فرأيته أعلم الناس باختلاف الفقهاء فبذلك أحكم أنه أفقه من رأيت [١].
و خاب أمل المنصور و أصبح أبو حنيفة يعلن للملإ، و يحكم بأن أفقه الأمة جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) كما كان يرى أنه إمام الحق و يتكتم بذلك.
سأله رجل يوما فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في رجل وقف ماله للإمام فمن يكون المستحق؟
فأجابه أبو حنيفة: المستحق هو جعفر الصادق لأنه هو إمام الحق [٢].
قال هذا بعد أن تأكد من الرجل في كتمان ما قاله، و هذا أحد الأسباب التي أدت إلى القضاء على أبي حنيفة بحجة امتناعه عن القضاء.
و لا أستبعد أن قصة القائد الذي دعا الإمام الصادق إلى المائدة و أحضر عليها الشراب كان بوحي من المنصور لينال من كرامة الإمام (عليه السلام)، فتلك واحدة من محاولات العباسيين بدرت من غير واحد منهم.
قال هارون بن الجهم: كنا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالحيرة حين أقدمه
[١] جامع مسانيد أبي حنيفة ج ١ ص ٢٢٢ و مناقب أبي حنيفة للموفق ج ١ ص ١٧٧.
[٢] تاريخ العلويين لمحمد أمين غالب ص ١٤٠.