الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٨٥ - من أين و إلى أين
فأين أهل الرأي و ذوو الحزم و ذوو التفكير، أ كانوا كلهم (بلهاء) [١] لا يعقلون؟! إن هذا ليس من العقل و لا من المنطق أن تخضع مصر بهذه السرعة و هي الأمة المسلمة، و فيها أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من ذوي العقول الراجحة، و الفكر الثاقب، و ذوي الخبرة و التجارب.
و لنترك الحديث للدكتور طه حسين حول أسطورة ابن سبأ و ما فيها من مخالفات للواقع (باختصار).
يقول الدكتور في كتابه الفتنة الكبرى عثمان الفصل ١٤:
و هناك قصة أكبر الرواة المتأخرون من شأنها، و أسرفوا فيها حتى جعلها كثير من القدماء مصدرا لما كان من الاختلاف على عثمان، و لما أورث هذا الاختلاف من فرقة بين المسلمين لم تمح آثاره، و هي قصة عبد اللّه بن سبأ الذي يعرف بابن السوداء.
قال الرواة: كان عبد اللّه بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء حبشي الأم فأسلم في أيام عثمان، ثم جعل يتنقل في الأمصار يكيد للخليفة و يغري به، و يحرض عليه، و يذيع في الناس آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الدين و السياسة جميعا ...
و إلى ابن السوداء يضيف كثير من الناس كل ما ظهر من الفساد و الاختلاف في البلاد الإسلامية، أيام عثمان، و يذهب بعضهم إلى أنه أحكم كيده إحكاما، فنظم في الأمصار جماعات خفية تستتر بالكيد؛ و تتداعى بينها إلى الفتنة، حتى إذا تهيأت لها الأمور و ثبت على الخليفة فكان ما كان من الخروج و الحصار و قتل الإمام.
و يخيل إليّ أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم و على التاريخ إسرافا شديدا، و أول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان، و انتقاض الناس عليه، و لم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف، و هو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة و أكثر تفصيلا. و ذكره الطبري عن سيف بن عمر و عنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر.
[١] هكذا يعبر الخطيب المعروف (بمحب الدين).