الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٩٤ - تمهيد الأستاذ أبي زهرة
التقارب في عصر أحوج ما نكون فيه إلى التفاهم و التقارب.
فقد حلت بنا مشاكل متشابكة. و فرقتنا عوامل مختلفة، و هي لا تزال تفتك بدائها رغم الوعي الذي حصل في الآونة الأخيرة عند أكثر المفكرين، و دعاة الإصلاح، و نحن نشكر الأستاذ لهذا الشعور.
و الذي يلزمنا أن نؤاخذه فيه علميا هو نسبة الأثر عن الإمام الصادق بعدم الوصية للوارث، و الذي يظهر من الأستاذ جزمه بهذا، و الواقع خلاف ما ذهب إليه، فإن الأثر الصحيح عن الإمام الصادق هو إجازة الوصية للوارث.
قال أبو بصير: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز.
و قال محمد بن مسلم: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوصية للوارث؟ فقال:
تجوز.
أما ما رواه القسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل اعترف لوارث بدين في مرضه، فقال: لا تجوز وصيته لوارث و لا اعتراف له بدين.
فقد حمل ذلك على نفي الوصية بالزائد عن الثلث، كما في الحديث النبوي المروي عن تحف العقول أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إن اللّه قد قسم لكل وارث نصيبه الميراث، و لا تجوز وصية الوارث بأكثر من الثلث.
و الذي تجدر الإشارة إليه- هنا قبل مغادرتنا هذا الموضوع- هو أن عبارة الأستاذ حول إجازة الوصية للوارث في المذهب الجعفري توهم بأن ذلك مخالف لكتاب اللّه العزيز، و الحقيقة أن القول بعدمها خلاف لكتاب اللّه إذ يقول عز من قائل:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ [البقرة:
١٨٠]، فهذا نص، و ادعاء نسخه بالحديث الذي رواه أبو قلابة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: «لا وصية لوارث» فهو خبر آحاد، و الكتاب لا ينسخ بخبر الآحاد، و على مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة [١] و لذلك ادعى بعضهم الإجماع على مضمون الخبر و ذهب بعضهم إلى أن الحديث مخصص للآية [٢].
[١] نيل الأوطار للشوكاني ج ٦ ص ٤٠.
[٢] بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج ٧ ص ٣٣١.