الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٧٥ - استنتاج و تعقيب
و على سبيل الإجمال فإن المصادر التي بين أيدينا تتضمن تلك الحوادث، و تعطي صورة عن تلك الخصومة و اتساع دائرتها، و هي أصدق تفسير لما كان يرمى به أتباع أهل البيت، من تهم و ما يسند إليهم من آراء و أقوال لا وجود لها. و إن استعمال تلك الأساليب الخداعة، في تضليل الناس عن واقع الأمر، كان أقوى سلاح تستعمله السلطة في محاربة الشيعة، فقد كان يسلم من نقمة المخدوعين (من يعرفونه دهريا، و سوفسطائيا، و لا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا أو مانويا، و يقتلون من عرفوه شيعيا، و يسفكون دم اسم من سمى ابنه عليا) [١].
و نتيجة لتلك الخصومة فقد استطاعت السلطة بقوة الحكم و شدة الإرهاب، و أساليب الدعاية، أن يقرن اسم الشيعة بالكفر عند ما يطلق، أو بالضلال عند ما يعرّف، أو البغي عند ما يصدر علماء السوء فتوى في وجوب قتل الشيعة و إبادتهم. [٢]
فيجب على المؤرخ أو الكاتب- إن كان هدفه الوصول إلى الحقيقة- أن يأخذ أثر تلك الخصومة التي نشبت بين الشيعة و بين ولاة الأمر على ممر الأيام، بعين الاعتبار، و يكون النظر إلى الحوادث بعين العقل من دون تقليد أو تعصب، إذ الاستسلام لكل قول، و الأخذ بكل رأي من دون تمحيص جناية على التاريخ.
و قد قلت سابقا: إن مهمة المؤرخ عن الشيعة، هي أعسر من مهمة من يؤرخ لغيرها من طوائف المسلمين؛ لوجود عواطف الاتهام، و زوابع الافتراء، طبقا لرغبات ولاة الأمر، مما أوجد غموضا في الموضوع، و تشويها للحقيقة، و قد اندفع أنصارهم لتأييد ما يقترحونه في اتهام الشيعة، و نشرها في المجتمع، حتى نالت تلك الأوهام على ممر الأيام صبغة الواقع، إذ لم تجد من يكشف عن واقعها بيد لم تلوث بأدران التعصب.
و المؤرخ أو الكاتب إذا كان مقلدا أو متعصبا لم يتسع أفق تفكيره، بل و يضيق مسلكه، فهو لا يؤدي حق التاريخ و أمانة الأجيال، لأن جموده على عبارات سلف نشئوا في عصور مظلمة بتيارات الخلافات المذهبية يجعله أسير آراء شاذة، و ليس
[١] المصدر السابق ص ٣٥.
[٢] رسائل ابن عابدين ج ١ ص ٣٦٨- ٣٦٩ تجد نص فتوى أبي السعود في وجوب قتل الشيعة و جهادهم و مستنده أنهم بغاة على السلطان.