الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٦٣ - السفر المبيح للقصر
هذا ما تعلق الغرض ببيانه حول صلاة المسافر و أن فرضه المتعين هو القصر كما أجمعت عليه الشيعة و وافقهم كثير من علماء المسلمين في ذلك و أن الذي يتم في السفر مع حصول شرائط القصر عليه الإعادة.
و هنا لا بد أن نشير بإيجاز إلى حكم الصائم في السفر، و قد أجمع المسلمون على جواز الإفطار في شهر رمضان لكل من سافر فيه سفرا تقصر فيه الصلاة، كما جاء في كتاب اللّه العزيز بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ الآية.
و قد اختلفوا في الإفطار في السفر هل هو رخصة أم عزيمة؟ فذهب الشيعة إلى أنه عزيمة، و لا يصح الصوم في السفر، كما لا يصح إتمام الصلاة فيه، لأنه هو الذي شرعه اللّه في دين الإسلام، و أن المقتضى من السفر لأحدهما هو بعينه المقتضى للآخر. كما ورد ذلك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذ قال: (إن اللّه وضع عنه الصيام و نصف الصلاة) أخرجه النسائي عن عمر بن أمية الضمري.
و أخرج مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد الباقر عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أولئك العصاة أولئك العصاة» [١].
و أخرج البخاري عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في سفر فرأى زحاما و رجلا قد ظلل عليه فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما هذا؟ فقالوا صائم. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):
(ليس من البر الصوم في السفر) [٢].
و أخرج أبو داود عن قزعة قال أتيت أبا سعيد الخدري و هو يفتي الناس و هم مكبون عليه، فانتظرت خلوته، فلما خلا سألته عن صيام رمضان في السفر؟
فقال: خرجنا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في رمضان عام الفتح، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يصوم و نصوم، حتى بلغ منزلا من المنازل فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنكم قد دنوتم من عدوكم، و الفطر
[١] صحيح مسلم شرح النووي ٧: ٢٣٢.
[٢] صحيح البخاري ٣: ٤٣.