الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٠٣ - المسح على الخفين
و على كل حال: فإن فعل جرير و استنكار الناس عليه عند ما مسح على الخفين، يؤيد أن هذا لم يكن معهودا، و مثله يلزم أن يكون مشهورا شهرة عظيمة، لا تخفى على الأكثرين.
و إن ما ذهبت إليه الشيعة في عدم الجواز مطلقا هو الموافق لكتاب اللّه، و مبرئ للذمة، لأن المسح على الخفين لا يصدق عليه مسحا على الرجلين لا لغة و لا شرعا، كما أن العمامة لا تسمى رأسا، و البرقع لا يسمى وجها، و ما يقال في الاحتجاج بصحة القول: وطأت كذا برجلي. و إن كان لابسا للخف فإن ذلك مجاز و اتساع بلا خلاف. و المجاز لا يحمل عليه الكتاب، إلا بدليل ظاهر.
و قد صح عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه لم يمسح على خفيه، و ربما وقع اشتباه من الراوي في مسحه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على رجله، و هو لابس للحذاء الذي لا يمنع من المسح، و إن كان هذا بعيدا لأنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مشرع و وضوؤه لا بد أن يأتي بصورة أكمل و بيان أفضل.
ثم إن الوضوء لم يكن من الأعمال التي يمكن أن تخفى لكثرة تردده و استعماله حتى يختص جرير بن عبد اللّه بهذا الحكم، و يتفرد بها البيان كما تقدم.
و على كل حال: فالشيعة لم تنفرد بالمنع و لم يستدلوا في هذا الحكم بغير الكتاب و سنة الرسول، و كفى بذلك أمنا من العقاب و براءة للذمة.
و مهما يكن من أمر فقد وقع الاختلاف بين القائلين بجواز المسح من حيث توقيته و كيفيته مما لا حاجة إلى ذكره.
و الشيء الذي نود التنبيه عليه هو أن مسألة المسح على الخفين أصبح لها أثر في المجتمع الإسلامي، مما دعا إلى حجر الأفكار عن الخوض في صحتها، حتى ادعي أن روايتها متواترة، و أنها ناسخة لكتاب اللّه، مع أنها متقدمة على نزول الآية.
و كان مالك لا يرى جواز المسح على الخفين و لكنه يجيزه لأصحابه، و قد جعل إنكار المسح طعنا على الصحابة، و نسبتهم إلى الخطأ، و لهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين [١].
[١] بدائع الصنائع ج ١ ص ٧.