بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٣١ - توضيح مختار المحقق النائيني (قدس سره) في وجه تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر
يمكن أن يقال في بادئ النظر: إنه لا وجه للالتزام بأن المعتبر فيه هو القدرة الشرعية على النحو الثاني كما مرّ وفق مسلك المحقق النائيني (قدس سره) ، لأنه كان مبنياً على الأخذ بإطلاق لفظ الحرام في قوله ٧ : ((إلا ما أحلّ حراماً))، حيث تقدم أنه يصدق على ترك الواجب المشروط بالقدرة الشرعية بالنحو الأول، كما يصدق على ترك الواجب المشروط بالقدرة العقلية على نسق واحد، فيكون مقتضى إطلاقه لزوم أن لا يكون الوفاء بالنذر مستلزماً للحرام على أيٍ من النحوين بغض النظر عن وجوب الوفاء به.
وأما بناءً على مسلك السيد الأستاذ (قدس سره) فإن الدليل على اشتراط القدرة الشرعية في وجوب الوفاء بالنذر لما لم يكن لفظياً ليؤخذ بإطلاقه بل كان لبياً ــ وهو أن كون النذر لله تعالى يقتضي رجحان متعلقه ــ فالمتعين هو الاقتصار على القدر المتيقن منه، وهو فيما إذا كان التكليف بالمضاد مشروطاً بالقدرة العقلية دون ما إذا كان مشروطاً بالقدرة الشرعية على النحو الأول، فإنه خارج عن القدر المتيقن، فلا سبيل إلى الالتزام بكونه مثل المشروط بالقدرة العقلية.
ولكن هذا الكلام ليس بشيء، لأن النكتة التي على أساسها حكم (قدس سره) باعتبار الرجحان المطلق في متعلق النذر ــ لو تمت ــ فإنها تجري في مورد المشروط بالقدرة العقلية والمشروط بالقدرة الشرعية على النحو الأول على حد سواء.
وتلك النكتة هي أن النذر هو الالتزام لله تعالى، والالتزام للغير بوصف كونه التزاماً له ــ أي لأجله ــ لا يتحقق إلا مع كون الملتزم به أمراً محبوباً له بقول مطلق، فإذا كان محبوباً في حد ذاته ولكنه يستلزم أمراً مبغوضاً لم يمكن الالتزام له بالإتيان به، لأنه لا يكون الالتزام التزاماً له ومن أجله.
وهذا ــ كما يلاحظ ــ لا يفرّق فيه بين كون ذلك الأمر المبغوض ترك واجب مشروط بالقدرة العقلية فقط، أو ترك واجب مشروط بالقدرة الشرعية على النحو الأول. فإنه على كلا التقديرين تكون مبغوضية تركه فعلية لعدم وجود ما يمنع من ذلك. وليس الأول ــ أي المشروط بالقدرة العقلية ــ هو القدر المتيقن للضابط المذكور بل كلاهما يندرج تحته بمناط واحد وملاك فارد.