بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦١٢ - المناقشة في ما قيل من أنه لو كان النذر مانعاً عن الاستطاعة للحج يلزم لغوية تشريع وجوبه
ضئيلة من المستطيعين.
ولكن الآلية التي استخدمت لتبليغ أصل وجوب الحج هي التنصيص عليه في الكتاب الكريم والسنة المتواترة، وأما عدم ثبوت وجوب الحج مع نذر ما يزاحم أدائه ــ لو كان ثابتاً في الشرع المقدّس ــ فلم يبلغ بما بلّغ به وجوب الحج، إذ لم يرد بعنوانه لا في آية ولا في رواية، وإنما هو مقتضى بعض القواعد العامة عند القائلين به، فلا يبرز ما ذكر من محذور اللغوية بوجه.
وتوضيح ذلك: أن آليات نشر الأحكام والتشريعات وتبليغها للناس مختلفة في مستوى سعتها وعموميتها ومدى تأثيرها وغير ذلك من الخصوصيات، والشارع المقدس إنما يستخدم في تبليغ كل حكم الآلية المناسبة له وفق ما تقتضيه المصلحة بملاحظة جميع الجهات. فإذا كانت المصلحة تقتضي تشريع وجوب الحج على كل مستطيع، وفي الوقت نفسه تقتضي تشريع طريقة خفيفة المؤونة لتستعمل من قبل بعض المستطيعين للفرار من ثبوته عليه، فإنه يستخدم أوسع طرقه وآلياته في نشر أصل وجوب الحج والتأكيد على لزوم أدائه، وهو إيراد هذا الحكم في الكتاب الكريم، ثم التأكيد عليه على لسان النبي ٦ والأئمة الطاهرين : . وأما طريقة الفرار فلا يسعى في نشرها وتبليغها للجميع، ونتيجة ذلك أن لا يطلع عليها إلا البعض من المكلفين ولا يستخدمها إلا القليل منهم.
وهذا هو واقع الحال، ولذا نرى أن الفتوى بسقوط الحج عند مزاحمته بالوفاء بالنذر لم توجد إلا عند بعض الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) ولم يتسالم عليها كلهم، ونتيجة لذلك قلَّ من اطّلع على هذا الحكم الشرعي واستخدم طريقة النذر للفرار من وجوب الحج عليه.
وبالجملة: إن تشريع وجوب الحج مقيداً بالقيد المذكور لا يستتبع محذور اللغوية بملاحظة ما ذكر من تحكم الشارع المقدس في آليات نشره وتبليغه للناس.
هذا مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال: إن كثيراً ممن يطلع على الحكم المذكور ويتعرف على طريقة الفرار من وجوب الحج من خلال النذر لا يتبع تلك الطريقة، فإن الفوائد الدينية والمنافع الدنيوية المترتبة على أداء الحج كثيرة جداً،