بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩ - حكم ما لو اشتغلت ذمته بمال يلزمه أداؤه على وجه يعذر فيه شرعاً
من المال في سبيل الحج، فكيف يقول هنا بأن حدوث الدين القهري مع عدم التمكن من أداء الحج لو صرف ماله في أداء الدين يكشف عن عدم الاستطاعة من أول الأمر؟!
ومن الواضح أن الفرق شاسع بين الأمرين، فإن مقتضى ما ذكره هنا هو أنه لو لم يؤد الدين بل صرف ماله في الإتيان بالحج لا يكون حجه حجة الإسلام لعدم تحقق الاستطاعة، في حين أن مقتضى ما ذكره هناك هو أنه يُعدّ ممتثلاً للأمر بأداء حجة الإسلام وإن كان عاصياً للأمر بأداء الدين، لأن الأمر بالمهم وهو الحج إنما لا يصير فعلياً مع امتثال الأمر بالأهم وهو أداء الدين، وأما مع عصيانه فإنه يصير فعلياً فيقع الحج المأتي به مصداقاً للمأمور به فيكون مجزياً لا محالة.
هذا مع أن في كثير من موارد حدوث الدين القهري في أثناء الحج يكون التعجيل في أداءه حرجياً على المدين، لحاجته إلى المال في سفره وإن لم يرد تكميل الحج، فيسقط عنه وجوب التعجيل في أداء الدين وإن كان مطالباً به، لأن من يحتاج إلى المال في نفقته ولا يفي ماله بها وبأداء الدين معاً يعدُّ معسراً، فيلزم إمهاله بمقتضى قوله تعالى [١] : ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)) .
وعلى ذلك فليس هناك ما يمنع من وجوب تكميل الحج عليه، فكيف يصح إطلاق القول بأن حدوث الدين القهري يكشف عن عدم الاستطاعة من الأول المستلزم لعدم وقوع الحج المأتي به مصداقاً لحجة الإسلام؟!
والحاصل: إن إلحاق الدين القهري بتلف نفقة الحج في الحكم المتقدم مما لا يعرف له وجه صحيح على مسلكه (قدس سره) ، بل هو على خلاف ما سبق منه في المسألة (٣٤) من عدم الفرق في الدين ــ المانع من فعلية وجوب الحج دون الاستطاعة ــ بين أن يكون سابقاً على حصول مال الاستطاعة وبين كونه مستجداً بعد حصوله، فإن المقام مندرج في الفرض الثاني فلا بد من جريان حكمه عليه.
هذا كله وفق مسلك من يرى أن الدين لا يمنع من أصل وجوب الحج.
[١] البقرة:٢٨٠.