بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥١ - حكم ما لو تلفت نفقة الحج مما يتوقف عليها الوصول إلى الأماكن المقدسة أو أداء المناسك
كثيراً لكثرة الحالات المذكورة، ولو سألوا كثيراً لانعكس ذلك في بعض الروايات الواصلة إلينا بطبيعة الحال. فما يلاحظ من خلو النصوص عن التعرض لحكم تلك الحالات بالمرة يمكن أن يُعدَّ مؤشراً على أن الإجزاء عنها كان أمراً مرتكزاً في أذهان المتشرعة المعاصرين للأئمة : أيضاً.
ولكن مرَّ أن في جملة من حالات فقد المال ونحوه في أثناء الطريق لا يجد المسافر بُدّاً من مواصلة السير ولو لوقوعه في حرجٍ أشد لو أراد الرجوع أو التوقف، فلا يكون فقد المال مثلاً موجباً لفقدان الاستطاعة على أداء الحج.
ولعل هذه الحالات كانت هي الأكثر وقوعاً في العصور السابقة حيث كان الناس يسيرون على شكل قوافل من بلدانهم إلى الأماكن المقدسة، وكان الانفصال عن القافلة والرجوع في منتصف الطريق أو التوقف مدة طويلة في بعض المنازل إلى أن ترجع إليه القافلة مرة أخرى أمراً لا يقل صعوبة من مواصلة السير في حالة التسكع أو المرض بل ربما تزيد صعوبتها على ذلك. ولعل هذا يفسر ارتكاز الإجزاء في أذهان المتشرعة في معظم تلك الحالات، فلا تبقى إلا موارد قليلة لا يمكن دعوى أن سكوت النصوص الموجودة بأيدينا عن التعرض لحكمها يدل على الإجزاء فيها أيضاً.
وذلك لأن عدم اشتمال ما في أيدينا من النصوص عن التعرض لحكم إلزامي مثلاً إنما يستكشف منه عدم ثبوت ذلك الحكم في خصوص ما إذا كان مورده مما يبتلى به بصورة واسعة، فيكثر السؤال عنه بطبيعة الحال وينعكس ذلك في النصوص لا محالة، وحيث لا يحتمل بمقتضى حساب الاحتمالات عدم وصول شيء من تلك النصوص إلى أيدي المتأخرين يبنى على عدم ثبوت ذلك الحكم. وأما ما يقع قليلاً ويُسأل عنه قليلاً فلا يتحتم أن يصل إلينا حكمه ولو في رواية واحدة، لوضوح أن الروايات الموجودة بأيدينا لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من الروايات الصادرة من المعصومين : ، فلا غرابة في عدم وصول بعض الأحكام إلينا إذا لم تكن مما يكثر الابتلاء بها.
وبذلك يظهر أن الوجه الثاني للحكم بالإجزاء ولو مع فقدان الاستطاعة