بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥ - حكم ما لو تلفت نفقة الحج مما يتوقف عليها الوصول إلى الأماكن المقدسة أو أداء المناسك
وأما بناءً على ما هو المختار من كون العبرة في وجوب الحج بالاستطاعة العرفية فينبغي التفصيل في المسألة، فإن تلف المال في أثناء سفر الحج لا يقتضي عدم الاستطاعة على أداءه مطلقاً. وتوضيح ذلك ..
أن الاستطاعة العرفية ــ كما مرَّ ــ هي القدرة على أداء العمل من دون الوقوع في الحرج الشديد، فلو كان الذهاب إلى الديار المقدسة وأداء الحج من دون الوقوع في الحرج الشديد يتطلب أن يتوفر للمكلف مبلغ مليوني دينار ــ مثلاً ــ فإنه لا يعدّ مستطيعاً للحج ولا يجب عليه أداؤه لو لم يكن يملك هذا المبلغ. ولو كان يملك قسماً من هذا المبلغ يكفيه لأداء الحج فقط من دون كلفة طي الطريق إلى الميقات ولكنه أوصل نفسه متسكعاً إليه، فإنه يعدّ مستطيعاً عندئذٍ ويجب عليه أداء الحج، ولا عبرة بعدم كونه مستطيعاً في بلده وقبل الوصول إلى الميقات.
وأما إذا كان واجداً لتمام المبلغ المطلوب لأداء الحج وصرف قسماً منه للوصول إلى الميقات وقبل أن يحرم للحج ضاع القسم الآخر فأصبح الاستمرار في السفر حرجياً عليه بحدٍّ لا يتحمل عادة ففيه حالتان ..
الأولى: أن يمكنه تفادي الوقوع في الحرج، كأن تيسر له الرجوع من الميقات إلى بلده رأساً أو يتيسر له الذهاب إلى بلد يقع بالقرب من الميقات ويبقى فيه حتى تعود القافلة التي سار معها فيرجع إلى بلده معهم.
وفي هذه الحالة لا يعدّ مستطيعاً للحج بلا إشكال.
الثانية: أن لا يمكنه تفادي الوقوع في الحرج بأن لا يمكنه الرجوع من الميقات، أو أن رجوعه يوقعه في حرج أشد، فيتحتم عليه مواصلة السير مع القافلة وطيّ مراحل السفر واحدة بعد أخرى إلى أن يرجع مع القافلة نفسها إلى بلده، فهو يقع في الحرج على كل حال حج أو لم يحج.
وفي هذه الحالة يعدّ مستطيعاً للحج ويجب عليه أداؤه إذا لم يتطلب نفقة إضافية لا يجدها ولو ببذل الغير لها، لأنه حسب الفرض متمكن من الحج ولا يكون أداؤه إياه ــ بما هو حج ــ موجباً لوقوعه في حرج زائد، وإنما يقع في الحرج من جهة عدم تيسر الرجوع إلى البلد وتحتم مواصلة السير مع القافلة بالرغم من