بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٢٠ - هل يعتبر في البذل أن يثق المبذول له باستمراره إلى آخر أزمنة الحاجة إليه؟
لقاعدة نفي الحرج. وقد مرَّ سابقاً توضيح الفرق بين هذا وذاك.
(الأمر السادس): شرط بعض الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) في البذل الذي تتحقق به الاستطاعة أن يثق المبذول له باستمراره إلى آخر أزمنة الحاجة إلى المال، ولم يشترط ذلك آخرون منهم السيد الأستاذ (قدس سره) قائلاً [١] في نفي اختصاص الاستطاعة البذلية بمورد الوثوق باستمرار البذل: (إنه لا دليل على هذا الاختصاص، بعد أن كانت الأصول العقلائية مقتضية للجري على طبق بذله وإن شُك في استمراره بل ظُن بعدمه، كما هو الحال في الاستطاعة المالية حيث لا يعتنى باحتمال تلف المال أثناء الطريق وانتفاء الاستطاعة بقاءً، بل لا يعتنى بالظن به فضلاً عن الشك.
نعم لو بلغ الأمر حداً يوثق معه بعدم بقاء المال في الاستطاعة المالية، أو يوثق بعدم وفاء الباذل ببذله، وأنه مجرد وعد فارغ عن الواقع لم يتحقق الوجوب وقتئذٍ، لبداهة عدم صدق الاستطاعة في هذا الفرض. بل في الإيجاب والحال هذه حرج عظيم وذلك أمر آخر.
وبالجملة: لا فرق بين الاستطاعة المالية والبذلية من هذه الجهة ويشتركان في أن المانع إنما هو الوثوق بالعدم، لا أنه مشروط بالوثوق بالوجود، بل يجب حتى مع عدم الوثوق لصدق الاستطاعة وإطلاق الأدلة).
أقول: قد مرَّ في مبحث الاستطاعة المالية غير البذلية أنها تكون على نحوين: دفعية وتدريجية، فتارة يستحصل الشخص مبلغاً من المال يفي بجميع نفقات الحج دفعة واحدة ــ كما لو مات مورثه فحصل على إرث يفي بنفقة حجه ــ. وأخرى يستحصل مبلغاً يفي بالنفقات الحاضرة مع علمه بأنه سيستحصل مبالغ أخرى تفي بالنفقات المستقبلية. وتقدم أن الاستطاعة تتحقق في المورد الثاني كما تتحقق في الأول، فلا يشترط في تحققها أن يكون المال اللازم لأداء الحج موجوداً بتمامه بالفعل، بل يكفي الحصول عليه ولو تدريجاً.
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٦٨.