بيان الفقه في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد) - الحسيني الشيرازي، السيد صادق - الصفحة ٨٠ - مناقشة الدليل الخامس
مع فقد كل هذه الفروض، بل لمجرد تراجيح غير إلزامية لا يسقط بها واجب عن وجوبه، و لا حرام عن حرمته، و لا حجّة عن حجّيته، و لا تصلح لا ثبات الحجّية لما ليس حجّة، و نحو ذلك، كالصداقة، و أقربية المكان. و أقلّية صرف المال، و أحسنية الخلق، و قلّة الخجل منه و نحوها، و العرف ببابك.
و لنضرب لذلك مثلا لبيان عمل العرف و العقلاء: و هو أنّ الأطباء اليوم في كل بلد كثيرون، ففي كل صقع و قطر- اليوم- توجد عشرات من الأطباء.
و لا شكّ أنّ بينهم اختلافا في الأنظار، و يعلم الناس غالبا بهذا الاختلاف لأنّهم كثيرا ما إذا رجعوا لمعالجة مرض واحد إلى طبيبين أعطى كل واحد منهما غير دواء الآخر.
و لا شكّ أنّهم مختلفون في الفضيلة، فليسوا متساوين في العلم، فمنهم من درس خمس سنين في الطب، و منهم من درس أكثر، و منهم من له تجارب ثلاثين سنة، و منهم الأقلّ، و منهم الأكثر، و منهم الذكي، و منهم الأذكى، و هكذا دواليك.
و لا شكّ كذلك من إمكان الوصلة إلى جميعهم- لفرض وجودهم في بلد واحد- بلا حرج، أو ضرر، و ليس التحقيق عنه عسرا لوجودهم في مكان واحد.
و مع كل ذلك لا تكاد تجد خمسة أشخاص يعرفون الأعلم بين هؤلاء الأطباء، فلو سألت الناس عن الأعلم لجهلوا غالبا. مع حرصهم الشديد على صحّتهم و على علاج أمراضهم و مرضاهم. و حتى لو علموا بالأفضل قالوا: من الأحسن مراجعته لا الواجب، و لذا يراجعون غيره لمجرد اعذار مسامحية مع التمكّن من الرجوع إليه.
إذن: فالظاهر أنّ العرف و العقلاء ليس بناؤهم على لزوم مراجعة الأعلم مطلقا في حوائجهم و في أهمّها بالذات عندهم، و هي صحّتهم الجسدية.