بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨ - مقدمة الواجب تحقيق عنوان المسألة
أو بتعبير آخر: هي دخيلة في إشباع حاجة الإنسان فعلا، فمثلا: برودة الهواء مقدمة وجوبية للرغبة في النار، بمعنى أن اتصاف النار بكونها ذات مصلحة، و احتياج الإنسان إليها، إنما يكون متى صار الشتاء، فبرودة الهواء مقدمة وجوبية بمعنى أنها دخيلة في اتصاف النار بكونها ذات مصلحة، و في احتياج الإنسان إليها، و أمّا بعد أن برد الهواء، و أصبحت النار ذات مصلحة، و أصبح الإنسان محتاجا إليها، فهنا عندنا مقدمة وجودية و هي سدّ شبابيك الغرفة، إذ لو لم تسدّ الشبابيك لم يحصل الدّفء خارجا، و لم تشبع حاجة الإنسان خارجا، فسدّ الشبابيك مقدمة وجودية لأنها دخيلة في إشباع هذا الاحتياج و تحققه خارجا، و ليس في أصل احتياج الإنسان إلى النار. فمحل النزاع إنما هو المقدمة الوجودية لا الوجوبية، لوضوح أن الوجوبية بعد أخذها مفروضة الوجود في المرتبة السابقة على الحكم، يستحيل أن يترشح الوجوب عليها من ناحية ذاك الحكم، فموضوع النزاع هو المقدمة الوجودية، و في ترشح الوجوب عليها، هذا، من ناحية موضوع النزاع.
و أمّا من ناحية محمول النزاع: و هو الوجوب، بمعنى أن مقدمة الواجب، واجبة أولا؟: فليس المراد بوجوب مقدمة الواجب اللّابدية التكوينية، بمعنى الشيء الذي لا يمكن أن يوجد الواجب بدونه، فإن هذا عبارة أخرى عن المقدّميّة، أو هو عينها، فلا معنى للنزاع في أنه لا بدّ من وجوده، أو ليس لا بدّ من وجوده، كما أنه ليس المراد أيضا اللّابدية العقلية، بمعنى حكم العقل بتنجيز الإتيان بالمقدمة عليه، و عدم صحة الاعتذار من قبل المكلف بأنه إنما ترك الواجب لكون مقدمته غير موجودة، كما لو أراد أن يعتذر للمولى عن ترك الصلاة لكونه غير متوضئ، فإن هذا العذر محجوج بحكم العقل، فهذا المعنى للّابدية ليس محل الكلام، و إن كان هذا المعنى شيئا أزيد من المقدميّة، لكنه ليس هو محل النزاع، لكونه محل اتفاق من الجميع، فإن العقل بعد إن يستقل بتنجّز التكليف، و وجوب امتثاله، فإنه لا محالة يرى أن ترك المقدمة ليس معذّرا، كما أنه ليس المراد من وجوب