بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩٣ - الفصل الثالث ثمرة بحث الضد
ب- الأمر الثاني: هو ملاك الوجوب و روحه، و هذا ليس مدلولا عليه باللفظ، لأنّ هيئة «صلّ» تدلّ على النسبة الطلبية، أو الإرسالية، بينما الملاك يستفاد من الظهور السياقي، لأنّ المولى بصدد بيان الحكم نصا و روحا، إذ الحكم بلا روح لا أثر له، فالظهور الأعم من السياقي و اللفظي، يقتضي أن يكون المولى بصدد بيان أمرين هما: الملاك و الوجوب، و كلاهما مصبهما المادة، إذن فكلام المولى ينحل إلى قضيتين موضوعهما الصلاة، و محمول أحدهما الملاك، و محمول الأخرى الوجوب.
و حينئذ، مقتضى إطلاق المادة في صلّ» هو: أنّ الصلاة وقعت موضوعا لكلا المحمولين على الإطلاق، سواء أ كان هناك عجز أو قدرة، و براهين اشتراط القدرة سواء أ كانت بحكم العقل بقبح تكليف العاجز، أو استدعاء طبع التكليف المقتضي للباعثية لأن يكون مقدورا، فإن القرينة على اشتراط القدرة، إنّما تكون قرينة على اشتراط القدرة، و أخذها قيدا في الصلاة بلحاظ المحمول الثاني الذي هو الوجوب، لا الملاك، إذ لا قبح في التكليف بالملاك على العاجز لو كان هناك تكليف بالملاك، إذ إنّ الملاك لا يقتضي بطبعه الاختصاص بالقادر، فنتمسك بإطلاق المادة بلحاظ الملاك، لإثبات أن الصلاة موضوع للملاك على الإطلاق.
نعم لو أنّ المولى بنفسه أخذ قيد القدرة فقال: «صلّ» عند القدرة، حينئذ لا إشكال في انهدام الإطلاق بلحاظ كلا المحمولين.
و فرق هذا الوجه عن الوجه السابق هو: إنّ دلالة الأمر في السابق على الملاك، كانت بالدلالة الالتزاميّة، أي: في طول الدلالة على الحكم، و هنا بالدلالة المطابقيّة أي: في عرض الدلالة على الحكم بحيث أنه كان لكلام المولى مفادان عرضيّان: أحدهما مدلول عليه باللفظ و هو الحكم، و الآخر بالسياق، و هو الملاك، و القرينة على التقييد باشتراط القدرة، إنّما هو بلحاظ المحمول الثاني، فيبقى المحمول الأوّل على حاله، و المادة لها إطلاق بلحاظهما، و الدليل هدم الإطلاق بلحاظ الحكم.