بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٨ - ١- التنبيه الأول
إذ أن الفرضيتين إمّا أن تصحّا معا، و أمّا أن تبطلا معا، و قد ذكر الأصفهاني في توجيه ذلك،، بأنّنا إن قلنا باستحالة انفكاك الواجب عن الوجوب، و باستحالة تأخر زمان الواجب عن الوجوب، إذن فكلتا الفرضيتين غير معقولة، لأنّ معنى هذا، استحالة الواجب المعلّق، و نفس النكتة الموجبة لاستحالة الواجب المعلّق هي موجبة لاستحالة الواجب المشروط بالشرط المتأخر، و أمّا إذا قلنا بإمكان انفكاك الواجب عن الوجوب، فالمعلّق و المشروط كلاهما ممكن.
فالنتيجة هي: إنّ إمكان المشروط يحتاج إلى إمكان المعلّق، و إلّا فبدون إمكان المعلّق لا يكون المشروط ممكنا.
و هذا الكلام من المحقق الأصفهاني كأنه ناظر إلى بعض براهين استحالة الواجب المعلّق، لا إلى تمام براهين استحالة المعلّق، فإن المعلّق إذا قلنا باستحالته، باعتبار البرهان الثاني الذي هو برهان استحالة انفكاك المراد عن الإرادة، و انفكاك زمن الواجب عن زمان الوجوب، فيصح أن هذا البرهان كما هو قائم على استحالة المعلّق، فهو قائم على استحالة المشروط بالشرط المتأخر: إذ إنّه في كل منهما يلزم انفكاك الواجب عن الوجوب، و المراد عن الإرادة. و أمّا إذا كان برهان استحالة المعلّق شيئا آخر، من قبيل البرهان الأول القائل بلزوم التكليف بغير المقدور، فمن الواضح، أن لزوم التكليف بغير المقدور، إنما ينشأ في المعلّق من ناحية أن القيد المعلّق عليه لم يؤخذ قيدا في الوجوب، و هذا غير موجود في الواجب المشروط، فإنه في الفرضية الثانية قد أخذ القيد المعلّق عليه، «كطلوع الفجر» قيدا للوجوب، فلا يلزم توهم التكليف بغير الاختياري.
إذن فبعض براهين استحالة المعلّق تبرهن على استحالة المشروط بالشرط المتأخر، و لكن بعضها الآخر لا يبرهن على ذلك، بل تختص بالمعلّق، و لا تسري إلى المشروط. بل الأمر كما قلنا، فإنّ الفرضية الثانية لا تحتاج إلّا إلى الأمر الثالث من الأمور الثلاثة، بينما المعلّق يحتاج إلى الأمور الثلاثة مجتمعة.