بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧١ - المرحلة الثانية في تعقل الوجوب المشروط في مرحلة مقام الإثبات
و جواب هذا التقريب، هو: إنّه إن أريد بالآليّة معنى المرآتية على حدّ مرآتية المرآة، كما في مثل نظر الإنسان إلى وجه في المرآة، فهو ينظر إلى المرآة نظرا إعفائيا، و لكن تمام نظره نحو الصورة الموجودة في المرآة حتى مع يقينه أنه إنما ينظر إلى زجاج، فهو حينئذ إن أراد أن يحكم على ما في المرآة، فسوف ينصبّ حكمه على المرئي، لأنه غافل عن نفس المرآة، فإن أريد أن المعاني الحرفية تكون هكذا، فهذا في غير محلّه، لأنه كثيرا ما يكون التوجه إلى المعنى الحرفي مستقلا، و ذلك كمن يسأل عن شخص فيقول: في المسجد، فيكون التوجه هنا إلى الحالة الكائنة، أي إلى الكون في المسجد، و النظر إلى النسبة القائمة ما بين «زيد» و ما بين كونه في «المسجد» بناء على تقدير «كائن» فهنا السؤال ليس عن «زيد» و لكن عن ربط كونه في «المسجد»، فهذا هو محطّ نظر السائل.
و عليه، فلم يقم برهان إذن على أن المعاني الحرفية يكون مغفولا عنها.
و إن أريد بالآليّة الوجود التبعي الاندكاكي، و هو كون المعنى الحرفي باعتباره أمرا نسبيا، و النسبة مندكة ذاتا و وجودا في طرفيها، فلا يعقل أن توجد بوجود استقلالي أصلا، لا في عالم الخارج، و لا حتى في عالم الذهن، حيث تخرج عن كونها نسبة، و تصير أمرا منسوبا لا نسبة، فالنسبة الحقيقية بالحمل الشائع، لا يعقل أن توجد لا في الخارج، و لا في الذهن بوجود استقلالي، و أنما توجد مندكة دائما في غيرها، و تبعا له، كما برهن على هذا في بحث المعاني الحرفية.
فإن أردتم هذا المعنى من الآلية فهو صحيح، و لكن حينئذ يصاغ الإشكال بشكل آخر فيقال:
إن المعنى الحرفي إذا كان موجودا تبعا و اندكاكا، إذن، فلا يعقل التوجه نحوه، لأن توجه النفس نحوه، هو عبارة أخرى عن وجوده في النفس، و حيث أن الإطلاق و التقييد فرع توجه النفس، و حيث أن توجه النفس لشيء استقلالا