بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٩ - المرحلة الثانية في تعقل الوجوب المشروط في مرحلة مقام الإثبات
الخلط بين مدلولين للجزئية، إذ إنّ هناك جزئية حقيقية لا تقبل الصدق على كثيرين، و بالتالي فهي لا تقبل الإطلاق و كذلك التقييد، و هناك جزئية فرغنا عنها في بحث الوضع في باب المعنى الحرفي، فهي لا تنافي الكلية القابلة للصدقة على كثيرين.
و توضيح ذلك، هو: أنّنا قلنا في باب الحروف إنّ هناك استعمالين لحرف «من» أحدهما كما في قولك: «سرت من البصرة إلى النجف»، و الاستعمال الآخر كما في قولك، «سرت من النجف إلى كربلاء» فهناك نسبة ابتدائية قائمة بين البصرة و النجف، و هناك نسبة ابتدائية قائمة بين النجف و كربلاء، و كل من هاتين النسبتين تغاير الأخرى في طرفيها، فطرفا الأولى هما عبارة عن «السير من البصرة إلى النجف» فالبصرة مبتدأ منه، و السير مبتدأ به، و النجف هي المنتهى إليه السير، و طرفا النسبة الأخرى هي عبارة عن «السير من النجف إلى كربلاء»، فالسير مبتدأ به، و النجف مبتدأ منه، و كربلاء منتهى إليه السير، فهاتان نسبتان متغايرتان من حيث الطرفين.
و قد وقع الكلام حول إمكانية جعل مدلول «من» موضوعا لجامع النسبتين بعد إلغاء خصوصية الطرفين فيهما، فيقال: إنّ «من» موضوع لجامع النسبة الابتدائية في كلتا القضيتين، سواء أ كان الابتداء من البصرة أو من النجف، كما نصنع في أسماء الأجناس حينما نلفي فيها سواد زيد و بياض عمر، و نضع نقطة «إنسان» لجامع الإنسان، سواء أ كان أسود أو أبيض، و مثل هذا نصنع في باب الحروف.
و قد أجاب المستشكلون في رجوع القيد إلى الهيئة بالمنع من ذلك، بل باستحالة ذلك في باب الحروف و منها الهيئات، و ذلك لأن كلتا النسبتين متقومة ذاتا بطرفيها، فإن النسبة باعتبارها أمرا اندكاكيا، و متقومة ذاتا و اندكاكا بطرفيها، و كذلك النسبة الأخرى باعتبارها أمرا اندكاكيا، و متقومة ذاتا و اندكاكا بطرفيها، و حينئذ يستحيل تكوين الجامع بين النسبتين، لأننا إن ألغينا خصوصية الطرفين هنا، و خصوصية الطرفين هناك، إذن فقد ألغينا أصل ماهية