بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥١ - ٣- النظرية الثالثة
النفس في الإنسان لما يشتاق إليه، و الإحساس به، و هذه ملاءمة لا تكون إلّا عند تحقق الشرط خارجا، و إلّا فقبل حدوث الشرط «العطش» لا يوجد أي ملاءمة بين قواه و بين شرب الماء، إذن لا ينقدح في نفسه شوق فعلي نحو الفعل- شرب الماء- بأي معنى للفعلية.
٢- الإرادة الثانية: و هي إرادة مطلقة و فعلية قبل وجود الشرط، أو التصديق به خارجا، و لكن ليست هذه الإرادة هي إرادة شرب الماء، بل هي إرادة أخرى، مطلقة و فعلية، و غير مشروطة، توجد دائما إلى جنب الإرادة المشروطة، و هذه الإرادة هي ذلك الإحساس المبهم الذي كان ينتاب العلماء بأن هناك شيئا «ما» إرادته فعلية و مطلقة.
و هذا الإحساس، و إن كان صحيحا و مطابقا للواقع، إلّا أن متعلّق هذه الإرادة ليس شرب الماء- الفعل- بل متعلقها هو الجامع بين شرب الماء و عدم العطش- الارتواء- فهي متعلقة بعدم تحقق المجموع من شرط الوجوب، و عدم الواجب.
و توضيح ذلك، هو: إنّ من يريد شرب الماء على تقدير العطش، يريد شيئا آخر أيضا، و هو أن لا يتحقق المجموع المركب من العطش و عدم شرب الماء- أي شرط الوجوب و عدم الواجب- فإن هذا الاجتماع مبغوض له من أول الأمر مبغوضية فعلية لمنافرته مع قواه، فينقدح في نفسه شوق فعلي نحو أن لا يتحقق هذا المجموع المركب، لأن عدمه مراد له من أول الأمر بإرادة فعلية، فهذا الشخص حتى في حال ارتوائه من الماء فعلا و عدم احتياجه إليه يكره هذه الحصة من العطش، و هي حدوث عطش لا ماء معه، و ذلك لمنافرة ذلك مع قواه الفعلية، و بهذا ينقدح في نفسه شوق فعلي نحو أن لا يقع عطش لا رافع له، و هذه الإرادة الفعلية المطلقة هي غير إرادة الفعل- شرب الماء- فإن هذه الإرادة لا تبعث نحو شرب الماء، بل تبعث نحو أن لا يتحقق هذا العطش الذي لا ماء معه، و لهذا لو فرض أن هذا الإنسان يعلم بأنه إذا صعد إلى السطح سيعطش، و لا يجد ماء معه، فيكون هذا داعيا له أن لا يصعد،