بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٨٧ - * ٦- الجهة السادسة في تحقيق المقدمات الخمس التي أفادها المحقق النائيني
من الحفظ الذاتي، لأنّ الحكم المجعول، هو بحسب الحقيقة، تابع لموضوعه الذي جعل عليه هذا الحكم، فكلّما انطبق موضعه على مورد، ثبت الحكم في ذلك المورد، و انطباق الموضوع على مورد فرع كون ذلك الموضوع مقيّدا بذلك المورد، أو مطلقا، لم تؤخذ فيه خصوصيّة عدم ذلك المورد، إذن فالحكم المجعول من ناحية أنه هل يثبت في مورد، أو لا يثبت في مورد، ليس له نظر، و ليس له حول أو قوة، دائما هو تابع في ثبوته لانطباق موضوعه، و ثبوته لموضوعه فرع الإطلاق و التقييد، و أمّا أنّ الحكم بذاته يتعرض للعصيان و الامتثال، فهو صحيح. فإن الحكم بذاته، يحرّك نحو الفعل، أي: نحو متعلقه، و يطرد تركه ذاتا.
إلّا أنّ هذا التحريك و التقريب نحو متعلقه، و طرد و هدم تركه ذاتا، هو فرع وجوده في نفسه، و وجوده حين يوجد تابع لموضوعه لا محالة، إذ كلّما انطبق موضوعه وجد، و موضوعه إنّما ينطبق على حالة، إذا كان مقيّدا بها، أو مطلقا من ناحيتها لا محالة.
أو فقل: إنّ الحكم يحرك نحو متعلقه، و يهدم تركه ذاتا، إلّا أنّ هذا التحريك فرع ثبوته، و ثبوته أول الكلام، إذ إنّنا نتكلم فيما يحفظ ثبوته.
إذن ففرق بين النحوين من التعرض، بين كون الحكم المجعول متعرضا للفعل و الترك، بمعنى كونه مقرّبا نحو أحدهما و مبعدا عن الآخر، و بين كونه بذاته متعرضا إلى حفظ وجوده في حالتي الامتثال و العصيان.
فإن كان المراد هو النحو الأول من التعرّض، فهو صحيح، لكنّه ليس بمفيد، إذ كلامنا في أنه كيف يحفظ وجوده في نفسه، إذ إنّ تعرّضه فرع ثبوته أولا، و كلامنا في ما يحفظ وجوده و ثبوته.
و إنّ كان المراد من التعرض أنه بذاته يتعرض إلى حفظ وجوده في حالتي الامتثال و العصيان، فهذا أمر غير معقول، و كونه مقربا و مبعّدا بذاته، هذا لا يكون دليلا على أنه يكون حافظا لذاته.