بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٤ - النظرية الأولى
و مراده الأصلي الذي هو الحج، فلو سلمنا ذلك نقول: لعلّ إرادة الخطاب هنا و صدوره، يكون من قبيل المقدمات المفوتة، و حينئذ لا يكون كاشفا عن فعلية الإرادة.
و توضيح ذلك هو: إنّه لو فرضنا أن إرادة المولى للحج كانت مشروطة و لم تكن فعلية، لكن المولى يعلم بأن هذا الشرط سوف يتحقق في حينه، و أنه سوف يعجز في حين تحقق هذا الشرط عن تكليف المستطيع بالحج، لأنه سيضطر إلى لقاء كلّ مستطيع، و تكليفه بالحج آنذاك. و عليه إذا كان المولى كذلك، فهو من أجل ذلك من الآن يصدر هذا الخطاب ليكون مقدمة لمطلوب لم ينجز طلبه بعد، و هذا ما يسميه الأصوليون بالمقدمات المفوتة، إذن فتعلق غرض المولى بهذا الخطاب ليس من باب إن إرادته للحج فعلية، بل من باب أنه يعلم بأن إرادته للحج سوف تصبح في ظرفها فعلية، و هو في هذا الظرف يكون عاجزا عن إصدار خطابات، إذن فهو من الآن يصدر هذا الخطاب، إذن فإرادة هذا الخطاب ليست إرادة غيرية محضة، بل هي إرادة من أجل حفظ ما سوف يأتي من مراده، إذ لا محذور بأن لا تكون للآمر إرادة بالفعل، لكنه يأمل بأنه سوف تكون له إرادة، و لأنه يعلم بأنه في ذلك الوقت سوف يكون عاجزا عن الإتيان بمقدمات هذا المراد، إذن فهو من الآن يأتي بهذه المقدمات، و لا يكون ذلك كاشفا عن فعلية الإرادة.
و بهذا يتضح أنه لا الوجدان تام، و لا البرهان تام أيضا، على دعوى كون الإرادة المشروطة فعليّة على الإطلاق، و غير مرتبطة بالشرط، و أن شرط الاستطاعة يكون مأخوذا في المراد، لا في الإرادة، و لا في الطلب، بل البرهان قائم على بطلان هذه النظرية.
و منشأ هذا البرهان على البطلان هو المشكلة المتقدمة، و معالجتهم لها، حيث التفتوا هناك إلى أن الاستطاعة إذا جعلوها قيدا في المراد و المطلوب، فيلزم ترشح الإلزام عليها من قبل المولى، و تصير الاستطاعة للحج كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فكما يترشح الإلزام على الوضوء من قبل الأمر بالصلاة،