بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧٨ - الفصل الثالث ثمرة بحث الضد
موجب للاختصاص بالقادر، و إنّما قلنا بالاختصاص بحكم العقل.
٢- المسلك الثاني: هو أنّ القدرة إنما هي شرط، باعتبار استدعاء طبيعة التكليف للتوجه نحو المقدور، إذ يستحيل التوجه نحو غير المقدور، بل حتى أن الأشعري [١] الذي يرى صحة التكليف بغير المقدور، يقول بهذا، و ذلك لأنّ التكليف متقوّم بجعل الداعي و التحريك، و من الواضح أن جعل الداعي لا يعقل إلّا أن يقع تحت اختيار الآخر، إذن فالتكليف بطبعه يستدعي التوجه نحو المقدور، لأنّ روح التكليف هو جعل الداعي، و هو يساوق الاختيار، و يكمل الميرزا (قده) فيقول: و حينئذ لو بنينا على الأول يتم كلام المحقق الثاني (قده)، و يكون التكليف حينئذ مشروطا بالقدرة، بقرينة عقليّة و هي حكم العقل بقبح تكليف العاجز على القول بالاقتضاء و بأنّ الأمر يتعلق بالجامع بين الفرد المقدور و غير المقدور، أي: بين المزاحم و غير المزاحم.
و هنا لا محذور في ذلك، لأنّ المحذور هو قبح تكليف العاجز، و لا قبح بهذا التكليف لأنه لا إحراج فيه للعبد، إذ تكفي القدرة على بعض أفراد الواجب الموسّع حيث، يبقى تعلّق التكليف بالجامع بين الفرد المزاحم و غيره من الواجب الموسّع، معقولا، إذ لا يلزم منه محذور قبح تكليف العاجز، و بهذا يكون الفرد المزاحم فردا من المأمور به أيضا، و عليه فيصح وقوعه عبادة.
و أمّا بناء على المسلك الثاني، و هو: اعتبار كون القدرة شرطا في التكليف، باعتبار أنّ طبيعة التكليف تقتضي التوجه نحو المقدور، لأنّ التكليف هو عبارة عن جعل الداعي، و هو لا يكون إلّا بلحاظ المقدور، لأنه هو الذي يعقل جعل الداعي إليه.
بناء على هذا، حينئذ، لا محالة من كون التكليف يخصّص متعلّقة بخصوص الحصة المقدورة، و حينئذ لا يبقى للجامع إطلاق و شمول للفرد
[١] مقالات الإسلاميين: الأشعري ج ١ ص ٣٣٠.