بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩٥ - الجهة السابعة حكم الشك في وجوب المقدمة
قامت بيّنة على أنّ ميتا «ما» تكلّم، و قد شملت أدلة الحجية تلك البيّنة، فهل كنّا نقول هنا: إننا لا نقبل بالبيّنة، لاحتمال استحالة ما أخبرت عنه؟. طبعا لا نقول ذلك، و ذلك لأنّ الدليل الدال على حجية البيّنة، يقتضي العمل بها ما لم يحصل دليل على خلافها، و هنا في المقام لم يحصل يقين، و إنّما هو مجرّد احتمال استحالة ما أخبرت عنه.
المثال الثاني: هو إنّه لو فرض أننا نشك في إمكان جعل الحجيّة لخبر الواحد، فحينئذ، لو دلّ ظهور آية أو سنّة متواترة على حجيّة خبر الواحد، فهل كنّا نرفع اليد عن هذا الظهور؟. طبعا لا، و ذلك لأنّ مقتضى حجيّة الظهور المفروغ عنها، هو أنّه يجب العمل، بها ما دمنا لم نقطع ببطلان مفادها.
و مقامنا من قبيل هذين المثالين، إذ مجرّد احتمال الاستحالة بسبب الاستصحاب، لا يوجب رفع اليد عن الحجة القائمة على هذا الاستصحاب.
إلّا أن هذا الكلام هنا غير صحيح، و إن كان متينا في المثالين.
و توضيحه، هو: إنّه حينما تقوم الحجة التعبّديّة على شيء، حينئذ يوجد و يثبت أمران: أحدهما يثبت تعبدا، و الآخر يثبت وجدانا لا تعبدا.
ففي مثال قيام الإمارة على تكلم ميّت «ما»، فإنّ كلام الميّت يثبت تعبّدا لا وجدانا، بينما حجيّة البيّنة أي: نفس الأمر الأول، يثبت وجدانا.
و كذلك الحال في المثال الثاني، إذ هناك أمر ثابت تعبدا و هو حجيّة الخبر، و هناك أمر ثابت وجدانا، و هو حجيّة الظهور.
فلو فرضنا أنّ الأمر الأول الثابت تعبّدا، كان يحتمل استحالته، بخلاف الثاني الثابت وجدانا، حينئذ، يتمّ كلام صاحب «الكفاية» (قده) و لا يلزم محذور عقلي، إذ في المثال الأول نقول: إنّ ما يحتمل استحالته، هو أن يتكلّم الميّت، و إمّا أن يتعبّد المولى بتكلّم الميّت، فليس بمحتمل الاستحالة، فما هو محتمل الاستحالة، و هو تكلّم الميّت، لم نثبته وجدانا بل أثبتناه تعبّدا، و أمّا ما أثبتناه وجدانا فهو غير محتمل الاستحالة.