بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦١ - صياغة وجوب المقدمة و معنى الموصل المعروض للوجوب الغيري
و هنا قد يتوّهم أنّ الحرمة، و إن كانت تسقط عرضيا، و لكن تثبت بنحو الترتب، بمعنى أن الحرمة تثبت على تقدير عصيان الواجب.
و لكن هذا الكلام غير صحيح، لأننا بيّنا أن المقام بابه باب التعارض لا التزاحم، لكون الموضوع واحدا، و الترتب علاج في باب التزاحم لا التعارض، و هذا من النتائج الغريبة على ذوق العقلاء، بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة، و استحالة تخصيص الوجوب بالموصلة.
و إن شئت قلت: إنّ المقدمة غير الموصلة، يستحيل حرمتها المشروطة بترك ذيها أيضا، لأنها حينئذ تكون واجبة بالوجوب الغيري بعد استحالة التقييد بالموصلة، و عليه فيلزم اجتماع الضدين بلحاظ حال ترك ذي المقدمة، و حينئذ فلا مناص من الالتزام بارتفاع حرمتها مطلقا.
و أمّا الكلام في المقام الثاني، فيقال فيه: إنّه بعد فرض أن الحرمة ترتفع عن الحصة الموصلة من المقدمة، و بما أنّ الموصلة على قسمين: قسم منها يقصد به التوصل إلى ذي المقدمة، و قسم منها لا يقصد به التوصل إلى ذي المقدمة.
حينئذ، يقع الكلام في كلتا المنافاتين، أي: التنافي بين الحرمة و الوجوب النفسي بنحو التزاحم، و التنافي بين الحرمة و بين الوجوب الغيري بنحو التعارض.
أمّا المنافاة الأولى، فقد يقال فيها: نفس البيان السابق يجري هنا، من ارتفاع الحرمة عن المقدمة الموصلة التي قصد بها التوصل على كل حال، لأنّ حرمتها تنافي وجوب ذيها، المقتضي لقصد التوصل و الامتثال، و لأنّ حرمتها تعطّل محركيّة و باعثيّة الأمر بالإنقاذ، و توجب استحكام التزاحم، و تعذّر الامتثال لهما معا.
و أمّا المنافاة الثانية: التي يقع التنافي فيها بين حرمة المقدمة التي لم يقصد بها التوصل، و بين وجوب ذي المقدمة. فقد تقدّم أن مقتضى المنافاة